![]() |
|
|
|
الذين فازوا برؤية المهدي في الغيبة الصغرىلعل السر في وقوع الغيبة الصغرى هو عدم أنس الشيعة بالغيبة التامة، فوقعت الغيبة الصغرى قبل الكبرى لئلا يستوحشوا منها إذا وقعت، وقد امتد زمانها إلى سنة 329 سنة موت أبي الحسن علي بن محمد السمري الذي ختمت به النيابة الخاصة. وقد تشرف كثير من الصلحاء والأتقياء والزهاد برؤية الحجة صلوات الله عليه في زمان الغيبة الصغرى، والأخبار بهذا الباب كثيرة ومتواترة نذكر بعضا منها إرضاء للنفس وشفاء للقلب: قال الصدوق: وحدث أبو الأديان قال: كنت أخدم الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب (عليهم السلام) وأحمل كتبه إلى الأمصار فدخلت عليه في علته التي توفى فيها صلوات الله عليه فكتب معي كتباً وقال: امض بها إلى المدائن فانك ستغيب خمسة عشر يوماً وتدخل إلى سر من رأى يوم الخامس عشر وتسمع الواعية في داري وتجدني على المغتسل. قال أبو الأديان: فقلت: يا سيدي فإذا كان ذلك فمن؟ قال: من طالبك بأجوبة كتبي فهو القائم من بعدي، فقلت: زدني، فقال: من يصلي علي فهو القائم بعدي، فقلت: زدني، فقال: من أخبر بما في الهيمان فهو القائم بعدي، ثم منعتني هيبته أن أسأله عما في الهميان. وخرجت بالكتب إلى المدائن وأخذت جواباتها ودخلت سر من رأى يوم الخامس عشر كما ذكر لي (عليه السلام) فإذا أنا بالواعية في داره وإّذا به على المغتسل وإذا أنا بجعفر بن علي أخيه بباب الدار والشيعة من حوله يعزّونه ويهنونه، فقلت: في نفسي: إن يكن هذا الإمام فقد بطلت الإمامة، لأني كنت أعرفه يشرب النبيذ ويقامر في الجوسق (أي القصر) ويلعب بالطنبور، فتقدمت فعزيت وهنيت فلم يسألني عن شيء، ثم خرج عقيد فقال: يا سيدي قد كفن أخوك فقم وصل عليه فدخل جعفر بن علي والشيعة من حوله يقدمهم السمان والحسن بن علي قتيل المعتصم المعروف بسلمة. فلما صرنا في الدار إذا نحن بالحسن بن علي صلوات الله عليه، على نعشه مكفناً فتقدم جعفر بن علي ليصلي على أخيه فلما هم بالتكبير خرج صبي بوجهه سمرة، بشعره قطط، بأسنانه تفليج، فجذب برداء جعفر بن علي وقال: تأخر يا عم فأنا أحق بالصلاة على أبي، فتأخر جعفر وقد أربد وجهه واصفر. فتقدم الصبي وصلى عليه ودفن إلى جانب قبر أبيه (عليهما السلام) ثم قال يا بصري: هات جوابات الكتب التي معك، فدفعتها إليه، فقلت في نفسي: هذه بينتان بقي الهميان، ثم خرجت إلى جعفر ابن علي وهو يزفر، فقال له حاجز الوشاء: يا سيدي من الصبي لنقيم الحجة عليه؟ فقال: والله ما رأيته قط ولا أعرفه. فنحن جلوس اذ قدم نفر من قم فسألوا عن الحسن بن علي (عليه السلام) فعرفوا موته فقالوا: فلنقم (نعزي)، فأشار الناس إلى جعفر بن علي فسلموا عليه وعزوه وهنوه وقالوا: أن كتباً ومالاً، فتقول ممن الكتب؟ وكم المال؟ فقام ينفض كتب فلان وفلان (وفلان) وهميان فيه ألف دينار وعشرة دنانير منها مطلية، فدفعوا إليه الكتب والمال وقالوا: الذي وجه بك لأخذ ذلك هو الإمام، فدخل جعفر بن علي على المعتمد وكشف له ذلك، فوجه المعتمد بخدمه فقبضوا على صقيل الجارية فطالبوها بالصبي فأنكرته وادعت حبلاً بها لتغطي حال الصبي فسلمت إلى ابن أبي الشوارب القاضي، وبغتهم موت عبيد الله بن يحيى بن خاقان فجأة، وخروج صاحب الزنج بالبصرة فشغلوا بذلك عن الجارية، فخرجت عن أيديهم والحمد لله رب العالمين. وقال أيضاً: حدثنا أبو العباس أحمد بن الحسين بن عبد الله بن محمد بن مهران الآبي العروضي رضي الله عنه بمرو، قال: حدثنا (أبو) الحسين (ابن) زيد بن عبد الله البغدادي قال: حدثنا أبو الحسن بن علي بن سنان الموصلي قال: حدثني أبي قال: لما قبض سيدنا أبو محمد الحسن العسكري صلوات الله عليهما وفد من قم والجبال وفود بالأموال التي كانت تحمل على الرسم والعادة، ولم يكن عندهم خبر وفاة الحسن (عليه السلام)، فلما أن وصلوا إلى سر من رأى سألوا عن سيدنا الحسن بن علي (عليه السلام)، فقيل لهم: أنه قد فقد، فقالوا: ومن وارثه؟ قالوا أخوه جعفر بن علي فسألوا عنه فقيل لهم أنه قد خرج متنزها وركب زورقاً في دجلة يشرب ومعه المغنون، قال: فتشاور القوم فقالوا: هذه ليست من صفة الإمام، وقال بعضهم لبعض: امضوا بنا حتى نرد هذه الأموال على أصحابها. فقال أبو العباس محمد بن جعفر الحميري القمي: قفوا بنا حتى ينصرف هذا الرجل ونختبر أمره بالصحة. قال: فلما انصرف دخلوا عليه فسلموا عليه وقالوا: يا سيدنا نحن من أهل قم ومعنا جماعة من الشيعة وغيرها وكنا نحمل إلى سيدنا أبي محمد الحسن بن علي الأموال فقال: واين هي؟ قالوا: معنا، قال: احملوا إلي، قالوا: لا،إن لهذه الأموال خبراً طريفاً، فقال: وما هو؟ قالوا: ان هذه الأموال تجمع ويكون فيها من عامة الشيعة الدينار والديناران، ثم يجعلونها في كيس ويختمون عليه وكنا اذا وردنا بالمال على سيدنا أبي محمد (عليه السلام) يقول: جملة المال كذا وكذا ديناراً، من عند فلان كذا ومن عند فلان كذا حتى يأتي على أسماء الناس كلهم ويقول ما على الخواتيم من نقش، فقال جعفر: كذبتم تقولون على أخي ما لا يفعله، هذا علم الغيب ولا يعلمه إلا الله. قال: فلما سمع القوم كلام جعفر جعل بعضهم ينظر إلى بعض فقال لهم: احملوا هذا المال إلي، قالوا: إنا قوم مستأجرون وكلاء لأرباب المال ولا نسلم المال الا بالعلامات التي كنا نعرفها من سيدنا الحسن بن علي (عليه السلام) فان كنت الإمام فبرهن لنا والا رددناها إلى أصحابها يرون فيها رأيهم. قال: فدخل علي الخليفة وكان بسر من رأى فاستعدى عليهم، فلما أحضروا قال الخليفة: احملوا هذا المال إلى جعفر، قالوا: أصلح الله أمير المؤمنين إنا قوم مستأجرون وكلاء لارباب هذه الأموال وهي وداعة لجماعة وأمرونا بأن لا نسلمها الا بعلامة ودلالة، وقد جرت بهذه العادة مع أبي محمد الحسن بن علي (عليهما السلام). فقال الخليفة: فما كانت العلامة التي كانت مع أبي محمد؟ قال القوم: كان يصف لنا الدنانير وأصحابها والأموال وكم هي، فاذا فعل ذلك سلمناها إليه، وقد وفدنا إليه مراراً فكانت هذه علامتنا معه ودلالتنا، وقد مات، فان يكن هذا الرجل صاحب هذا الأمر فليقم لنا ما كان يقيمه لنا أخوه، وإلا رددناها إلى أصحابها. فقال جعفر: يا أمير المؤمنين ان هؤلاء قوم كذابون يكذبون على أخي وهذا علم الغيب، فقال الخليفة: القوم رسل وما على الرسول إلا البلاغ المبين. قال: فبهت جعفر ولم يرد جواباً، فقال القوم: يتطول أمير المؤمنين بإخراج أمره إلى من يبدرقنا حتى تخرج من هذه قال: فأمر لهم بنقيب فأخرجهم منها، فلما أن خرجوا من البلد خرج إليهم غلام أحسن الناس وجهاً، كأنه خادم، فنادى يا فلان بن فلان ويا فلان بن فلان أجيبوا مولاكم، قال: فقالوا: أنت مولانا، قال: معاذ الله أنا عبد مولاكم فسيروا إليه، قالوا: فسرنا (إليه) معه حتى دخلنا دار مولانا الحسن بن علي (عليه السلام)، فإذا ولده القائم سيدنا (عليه السلام) قاعد على سرير كأنه فلقة قمر، عليه ثياب خضر، فسلمنا عليه، فرد علينا السلام، ثم قال: جملة المال كذا وكذا دينار، حمل فلان كذا، (وحمل) فلان كذا، ولم يزل يصف حتى وصف الجميع. ثم وصف ثيابنا ورحالنا وما كان معنا من الدواب، فخررنا سجداً لله عز وجل شكراً لما عرفنا، وقبلنا الأرض بين يديه، وسألناه عما أردنا فأجاب، فحملنا إليه الأموال، وأمرنا القائم (عليه السلام) أن لا نحمل إلى سر من رأى بعدها شيئاً من المال، فانه ينصب لنا ببغداد رجلاً يحمل إليه الأموال ويخرج من عنده التوقيعات، قالوا: فانصرفنا من عنده ودفع إلى أبي العباس محمد بن جعفر القمي الحميري شيئاً من الحنوط والكفن فقال له: أعظم الله أجرك في نفسك، قال: فما بلغ أبو العباس عقبة همدان حتى توفي رحمه الله. وكنا بعد ذلك نحمل الأموال إلى بغداد إلى النواب المنصوبين بها ويخرج من عندهم التوقيعات. قال الشيخ الصدوق (قدس سره): هذا الخبر يدل على أن الخليفة كان يعرف هذا الأمر كيف هو (وأين هو) وأين موضعه، فلهذا كف عن القوم عما معهم من الأموال، ودفع جعفراً الكذاب عن مطالبتهم ولم يأمرهم بتسليمها إليه وقد كان جعفر الكذاب حمل إلى الخليفة عشرين ألف دينار لما توفي الحسن بن علي (عليه السلام)، وقال: يا أمير المؤمنين تجعل لي مرتبة أخي الحسن ومنزلته؟ فقال الخليفة: اعلم أن منزلة أخيك لم تكن بنا إنما كانت بالله عز وجل ونحن كنا نجتهد في حط منزلته والوضع منه، وكان الله عز وجل يأبى الا أن يزيده كل يوم رفعة لما كان فيه من الصيانه وحسن السمت والعلم والعبادة، فان كنت عند شيعة أخيك بمنزلته فلا حاجة بك الينا، وان لم تكن عندهم بمنزلته ولم يكن فيك ما كان في أخيك لم نغن عنك في ذلك الشيء.
|