اللقاء مع المهدي في زمن الغيبة
انطلق التاجر المعروف السيد أحمد بن السيد هاشم الموسوي الرشتي من مدينة تبريز
في إيران قاصداً حج بيت الله الحرام مع القافلة في إحدى الأعوام، وفي أثناء
الطريق كان الحملدار يحذرهم من وعورة الطريق أو التخلف عن الركب، وبسبب تساقط
الثلوج وظلام الليل أصبحت حركة السير مع القافلة في غاية الصعوبة إلى درجة -
والكلام للسيد الرشتي - لم يسعني اللحوق بها مهما اجتهدت في ذلك، فصرت متخلفاً
عن القافلة ولوحدي في الطريق فنزلت من على ظهر فرسي وجلست ناحية من الطريق، وأنا
مضطرب غاية الاضطراب، فقررت أن لا أبرح مكاني حتى يطلع الفجر من هذه الليلة
الظلماء، فجأة وإذا ببستان أمامي فيه فلاح، يضرب فروع الأشجار ليتساقط ما تراكم
عليها من الثلوج، فدنا مني وسألني: من أنت؟ فأجبت: إني تخلفت عن القافلة وتهت في
الطريق، فخاطبني بلغتي الفارسية قائلاً: عليك بالنافلة كي تهتدي الطريق، فصليت
نافلة الليل، وعندما فرغت من التهجد، أتاني ثانية قائلاً: ألم تمض بعد؟! قلت:
والله لا أهتدي إلى الطريق. قال: عليك بالزيارة الجامعة الكبيرة، وما كنت حافظاً
لها وقادراً على قراءتها عن ظهر قلب، مع إنني كنت كثير القراءة لها وخصوصاً عند
زيارة العتبات المقدسة، فوقفت قائماً وبدأت بقراءة الزيارة واستمررت إلى آخرها
عن ظهر القلب، ولما انتهيت قال لي: ألم تبرح مكانك بعد؟! فعرض لي البكاء،
وأجبته: لم أغادر مكاني بعد فإني لا أعرف الطريق.
فقال: عليك بزيارة عاشوراء، ولم أكن مستظهراً لها
أيضاً، وإلى الآن لا أقدر أن أقرأها عن ظهر القلب، فنهضت وأخذت في قراءتها عن
ظهر قلب حتى انتهيت من اللعن والسلام ودعاء علقمة، فعاد الرجل إليّ وقال: ألم
تنطلق؟! فأجبته. إني باقٍ هنا حتى الصباح على ما يبدو، فقال لي:
أنا الآن ألحقك بالقافلة.
فركب وقال لي: أردف، فردفت له، ثم سحبت عنان فرسي
فقاومني ولم يجر معي. فقال الرجل: ناولني العنان، فناولته إياه، فأخذ العنان
بيمناه، فطاوعه الفرس بشكل عجيب وأخذ الفرس في المسير، ثم وضع يده على ركبتي
وقال: لماذا لا تؤدون صلاة النافلة، النافلة، النافلة؟ (قالها ثلاث مرات)، ثم
قال أيضاً: لماذا تتركون زيارة عاشوراء، زيارة عاشوراء، زيارة عاشوراء؟ (ذكرها
ثلاث مرات)، ثم قال: لماذا لا تزورون بالزيارة الجامعة الكبيرة، الجامعة،
الجامعة (ذكرها ثلاث مرات)، فأخذت الدابة تدور في مسلكها، وإذا به يلتفت إلى
الوراء، ويقول: أولئك أصحابك يستعدون للوضوء لصلاة الصبح.
فنزلت من على ظهر دابته وركبت فرسي، وإذ بي يجول في
خاطري السؤال عن هذا الرجل الذي بدت عليه الهيبة والوقار وسيماء الصالحين، فمن
يكون وكيف ينطق باللغة الفارسية في منطقة لا يتكلمون إلا باللغة التركية وغالباً
وهم من المسيحيين! وكيف أوصلني إلى أصحابي خلال هذه الفترة القصيرة من الزمان؟
فنظرت إلى الوراء، فلم أجد ولم أعثر على أثر يدل عليه حيث اختفى فوراً وكلمح
البصر. وعندما رجعت قصصت للعلماء الكبار ما جرى لي مع ذلك الرجل بالتفصيل وشرحت
لهم سيماءه وبينت لهم ملامحه، فأيقنوا وأكدوا أنه صاحب الزمان (صلوات الله
وسلامه عليه).
حدثني العالم
الجليل، المولى علي الرشتي قال: رجعت مرة من زيارة أبي عبد الله (عليه السلام)
عازماً للنجف الأشرف من طريق الفرات، فلما ركبنا في بعض السفن الصغار التي كانت
بين كربلاء وطويريج، رأيت أهلها من أهل الحلة، ومن طويرج تفترق طريق الحلة
والنجف، واشتغل الجماعة باللهو واللعب والمزاح، رأيت واحداً منهم لا يدخل في
عملهم، عليه آثار السكينة والوقار لا يمازح ولا يضاحك، وكانوا يعيبون على مذهبه
ويقدحون فيه، ومع ذلك كان شريكاً في أكلهم وشربهم، فتعجبت منه إلى أن وصلنا إلى
محل كان الماء قليلاً فأخرجنا صاحب السفينة فكنا نمشي على شاطئ النهر.
فاتفق اجتماعي مع هذا الرجل في الطريق، فسألته عن سبب
مجانبته عن أصحابه، وذمهم إياه، وقدحهم فيه، فقال: هؤلاء من أقاربي من أهل
السنة، وأبي منهم وأمي من أهل الإيمان، وكنت أيضاً منهم، ولكن الله منَّ عليَّ
بالتشيع ببركة الحجة صاحب الزمان (عليه السلام)، فسألت عن كيفية إيمانه، فقال:
اسمي ياقوت وأنا أبيع الدهن عند جسر الحلة، فخرجت في بعض السنين لجلب الدهن، من
أهل البراري خارج الحلة، فبعدت عنها بمراحل، إلى أن قضيت وطري من شراء ما كنت
أريده منه، وحملته على حماري ورجعت مع جماعة من أهل الحلة، ونزلنا في بعض
المنازل ونمنا وانتبهت فما رأيت أحداً منهم، قد ذهبوا جميعاً وكان طريقنا في
برية قفر، ذات سباع كثيرة، ليس في أطرافها معمورة إلا بعد فراسخ كثيرة.
فقمت وجعلت الحمل على الحمار، ومشيت خلفهم فضلَّ عني
الطريق، وبقيت متحيراً خائفاً من السباع والعطش، فأخذت أستغيث بالخلفاء والمشايخ
وأسألهم الإعانة وجعلتهم شفعاء عند الله تعالى وتضرعت كثيراً فلم يظهر منهم شيء
فقلت في نفسي: إني سمعت من أمي أنها كانت تقول: إن لنا إماماً حياً يكنى أبا
صالح يرشد الضال، ويغيث الملهوف، ويعين الضعيف، فعاهدت الله تعالى أن استغثت به
فأغاثني، أن أدخل في دين أمي.
فناديته واستغثت به، فإذا بشخص في جنبي، وهو يمشي معي
وعليه عمامة خضراء قال رحمه الله: وأشار حينئذٍ إلى نبات حافة النهر، قال: كانت
خضرتها مثل خضرة هذا النبات.
ثم دلني على الطريق وأمرني بالدخول في دين أمي، وذكر
كلمات نسيتها، قال: ستصل عن قريب إلى قرية أهلها جميعاً من الشيعة، قال: فقلت:
يا سيدي أنت لا تجييء معي إلى هذه القرية، فقال ما معناه: لا، لأنه استغاث بي
ألف نفس في أطراف البلاد أريد أن أغيثهم، ثم غاب عني، فما مشيت إلا قليلاً إليها
وصلت إلى القرية، وكان في مسافة بعيدة، ووصل الجماعة إليها بعدي بيوم فلما دخلت
الحلة ذهبت إلى سيد الفقهاء السيد مهدي القزويني طاب ثراه، وذكرت له القصة،
فعلمني معالم ديني، فسألته عن عمل أتوصل به إلى لقائه (عليه السلام) مرة أخرى
قال: زر أبا عبد الله (عليه السلام) أربعين ليلة الجمعة، قال: فكنت أزوره من
الحلة في ليالي الجُمع إلى أن بقي واحدة فذهبت من الحلة في يوم الخميس، فلما
وصلت إلى باب البلد، فإذا جماعة من أعوان الظلمة يطالبون الواردين التذكرة، وما
كان عندي تذكرة ولا قيمتها، فبقيت متحيراً والناس متزاحمون على الباب فأردت
مراراً أن أتخفى وأجوز عنهم، فما تيسر لي، وإذا بصاحبي صاحب الأمر (عليه السلام)
في زي لباس طلبة الأعاجم عليه عمامة بيضاء في داخل البلد، فلما رأيته استغثت به
فخرج وأخذني معه، وأدخلني على فراقه (عليه السلام)، وقد ذهب عن خاطري بعض ما كان
في تلك الحكاية.
حدث السيد الصالح
محمد العاملي قدس الله روحه: قال وردت المشهد المقدس الرضوي للزيارة، وأقمت فيه
مدة، وكنت في ضنك وضيق مع وفور النعمة، ورخص أسعارها، ولما أردت الرجوع مع سائر
الزائرين لم يكن عندي شيء من الزاد حتى قرصة لقوت يومي، فتخلفت عنهم، وبقيت يومي
إلى زوال الشمس فزرت مولاي وأديت فرض الصلاة فرأيت أني لو لم ألحق بهم لا يتيسر
لي الرفقة عن قريب وإن بقيت أدركني الشتاء ومت من البرد.
فخرجت من الحرم المطهر مع ملالة الخاطر، وقلت في
نفسي:
أمشي على أثرهم، فإن مت جوعاً استرحت، وإلا لحقت بهم،
فخرجت من البلد الشريف وسألت عن الطريق، وصرت أمشي حتى غربت الشمس وما صادفت
أحداً، فعلمت أني أخطأت الطريق، وأنا ببادية مهولة لا يرى فيها سوى الحنظل، وقد
أشرفت من الجوع والعطش على الهلاك، فصرت أكسر حنظلة لعلي أظفر من بينها بحبحب
حتى كسرت نحواً من خمسمائة، فلم أظفر بها، وطلبت الماء والكلأ حتى جنني الليل،
ويئست منهما، فأيقنت الفناء واستسلمت للموت، وبكيت على حالي.
فتراءى لي مكان مرتفع، فصعدته فوجدت في أعلاها عيناً
من الماء فتعجبت وشكرت الله عز وجل وشربت الماء وقلت في نفسي: أتوضأ وضوء الصلاة
وأصلي لئلا ينزل بي الموت وأنا مشغول الذمة بها، فبادرت إليها.
فلما فرغت من العشاء الآخرة أظلم الليل وامتلأ
البيداء من أصوات السباع وغيرها وكنت أعرف من بينها صوت الأسد والذئب وأرى أعين
بعضها تتوقد كأنها السراج، فزادت وحشتي إلا أني كنت مستسلماً للموت، فأدركني
النوم لكثرة التعب، وما أفقت إلا والأصوات قد انخمدت، والدنيا بنور القمر قد أضاءت،
وأنا في غاية الضعف، فرأيت فارساً مقبلاً علي فقلت في نفسي إنه يقتلني لأنه يريد
متاعي فلا يجد شيئاً عندي فيغضب لذلك فيقتلني، ولا أقل من أن تصيبني منه جراحة.
فلما وصل إلي سلم علي فرددت عليه السلام وطابت منه
نفسي، فقال: مالك؟ فأومأت إليه بضعفي، فقال: عندك ثلاث بطيخات، لم لا تأكل منها؟
فقلت: لا تستهزئ بي ودعني على حالي، فقال لي: أنظر إلى ورائك، فنظرت فرأيت شجرة
بطيخ عليها ثلاث بطيخات كبار، فقال: سد جوعك بواحدة، وخذ معك اثنتين، وعليك بهذا
الصراط المستقيم، فامش عليه، وكل نصف بطيخة أول النهار، والنصف الآخر عند
الزوال، واحفظ بطيخة فإنها تنفعك، فإذا غربت الشمس، تصل إلى خيمة سوداء، يوصلك
أهلها إلى القافلة، وغاب عن بصري.
فقمت إلى تلك البطيخات، فكسرت واحدة منها فرأيتها في
غاية الحلاوة واللطافة كأني ما أكلت منها فأكلتها، وأخذت معي الاثنتين، ولزمت
الطريق، وجعلت أمشي حتى طلعت الشمس، ومضى من طلوعها مقدار ساعة، فكسرت واحدة
منهما وأكلت نصفها وسرت إلى زوال الشمس، فأكلت النصف الآخر وأخذت الطريق.
فلما قرب الغروب بدت لي تلك الخيمة، ورآني أهلها
فبادروا إلي وأخذوني بعنف وشدة، وذهبوا بي إلى الخيمة كأنهم زعموني جاسوساً،
وكنت لا أعرف التكلم إلا بلسان العرب، ولا يعرفون لساني، فأتوا بي إلى كبيرهم،
فقال لي بشدة وغضب: من أين جئت؟ تصدقني وإلا قتلتك فأفهمته بكل حيلة شرحاً من
حالي.
فقال:أيها السيد الكذاب لا يعبر من الطريق الذي تدعيه
متنفس إلا تلف أو أكله السباع، ثم إنك كيف قدرت على تلك المسافة البعيدة في
الزمان الذي تذكره ومن هذا المكان إلى المشهد المقدس مسيرة ثلاثة أيام أصدقني
وإلا قتلتك، وشهر سيفه في وجهي.
فبدا لـه البطيخ من تحت عباءتي فقال: ما هذا؟ فقصصت
عليه قصته، فقال الحاضرون: ليس في هذا الصحراء بطيخ خصوصاً هذه البطيخة التي ما
رأينا مثلها أبداً فرجعوا إلى أنفسهم، وتكلموا فيما بينهم، وكأنهم علموا صدق
مقالتي، وأن هذه معجزة من الإمام عليه آلاف التحية والثناء والسلام فأقبلوا علي
وقبلوا يدي وصدّروني في مجلسهم، وأكرموني غاية الإكرام، وأخذوا لباسي تبركاً به
وكسوني ألبسة جديدة فاخرة، وأضافوني يومين وليلتين.
فلما كان اليوم الثالث أعطوني عشرة توامين، ووجهوا
معي ثلاثة منهم حتى أدركت القافلة.
قال آية الله
العلامة الحلي (رحمه الله): في آخر منهاج الصلاح في دعاء العبرات: الدعاء
المعروف وهو مرويٌ عن الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) وله من جهة السيد
السعيد رضي الدين محمد بن محمد بن محمد الآوي (قدس سره) حكاية معروفة بخط بعض
الفضلاء، في هامش ذلك الموضوع، روى المولى السعيد فخر الدين محمد بن الشيخ
الأجلَّ جمال الدين، عن والده، عن جده الفقيه يوسف، عن السيد الرضي المذكور أنه
كان مأخوذاً عند أمير من أمراء السلطان جرماغون، مدة طويلة، مع شدة وضيق فرأى في
نومه الخلف الصالح المنتظر، فبكى وقال: يا مولاي اشفع في خلاصي من هؤلاء الظلمة.
فقال (عليه السلام): ادع بدعاء العبرات، فقال: ما
دعاء العبرات؟ فقال (عليه السلام): أنه في مصباحك، فقال: يا مولاي ما في مصباحي؟
فقال (عليه السلام): أنظره تجده فانتبه من منامه وصلى الصبح، وفتح المصباح، فلقي
ورقة مكتوبا فيها هذا الدعاء بين أوراق الكتاب، فدعا أربعين مرة.
وكان لهذا الأمير امرأتان إحداهما عاقلة مدبرة في
أموره، وهو كثير الاعتماد عليها.
فجاء الأمير في نوبتها، فقالت له: أخذت أحداً من
أولاد أمير المؤمنين علي (عليه السلام)؟ فقال لها: لم تسألين عن ذلك؟ فقالت:
رأيت شخصاً وكأن نور الشمس يتلألأ من وجهه، فأخذ بحلقي بين إصبعيه، ثم قال: أرى
بعلك أخذ ولدي، ويضيق عليه من المطعم والمشرب.
فقلت له: يا سيدي من أنت؟ قال: أنا علي بن أبي طالب،
قولي له: إن لم يخل عنه لأخربن بيته.
فشاع هذا النوم للسلطان فقال: ما أعلم ذلك، وطلب
نوابه، فقال: من عندكم مأخوذ؟ فقالوا: الشيخ العلوي أمرت بأخذه، فقال: خلوا
سبيله، وأعطوه فرساً يركبها ودلوه على الطريق فمضى إلى بيته. وفيما يلي فقرة من
دعاء العبرات المبارك:
بسم الله الرحمن الرحيم الله إني أسألك يا راحم
العبرات، ويا كاشف الكربات أنت الذي تشفع سحائب المحن، وقد أمست ثقالاً، وتجلو
ضباب الإحن وقد سحبت أذيالاً، وتجعل زرعها هشيماً، وعظامها رميماً، وترد المغلوب
غالباً والمطلوب طالباً إلهي فكم من عبد ناداك (إني مغلوب فانتصر) ففتحت له من
نصرك أبواب السماء بماء منهمر، وفجرت له من عونك عيوناً فالتقى ماء فرجه على أمر
قد قدر، وحملته من كفايتك على ذات ألواح ودُسُر.
يا رب إني مغلوب فانتصر، يا رب إني مغلوب فانتصر، يا
رب إني مغلوب فانتصر، فصل على محمد وآل محمد وافتح لي من نصرك أبواب السماء بماء
منهمر، وفجر لي من عونك عيوناً ليلتقي ماء فرجي على أمر قد قدر، واحملني يا رب
من كفايتك على ذات ألواح ودُسُر.
يا من إذا ولج العبد في ليل من حيرته يهيم، فلم يجد
له صريخاً من ولي ولا حميم، صل على محمد وآل محمد,، وجد يا رب من معونتك صريخاً
معيناً وولياً يطلبه حثيثاً، ينجيه من ضيق أمره وحرجه، ويظهر له المهم من أعلام
فرجه. اللهم فيا من قدرته قاهرة، وآياته باهرة ونقماته قاصمة، لكل جبار دامغة
لكل كفور جبار، صل يا رب على محمد وآل محمد وانظر إلي يا رب نظرة من نظراتك
رحيمة، تجلو بها عني ظلمة واقفة مقيمة، من عاهة جفت منها الضروع وقلعت منها الزروع،
واشتمل بها على القلوب اليأس، وجرت بسببها الأنفاس.
حدثني سيد
الفقهاء، وسناد العلماء، العالم الرباني المؤيد بالألطاف الخفية السيد مهدي القزويني
الساكن في الحلة السيفية، صاحب التصانيف الكثيرة والمقامات العالية أعلى الله
مقامه فيما كتب بخطه قال: حدثني والدي الروحاني وعمي الجسماني جناب المرحوم
المبرور العلامة الفهامة، صاحب الكرامات، والأخبار ببعض المغيبات، السيد محمد
باقر نجل المرحوم السيد أحمد الحسيني القزويني أن في الطاعون الشديد الذي حدث في
أرض العراق من المشاهد وغيرها في عام ست وثمانين بعد المائة والألف، وهرب جميع
ما كان في المشهد الغروي من العلماء المعروفين وغيرهم، حتى العلامة الطباطبائي
والمحقق صاحب كشف الغطاء وغيرهما بعدما توفي منهم جم غفير، ولم يبق إلا معدودون
من أهله، منهم السيد رحمه الله.
قال: وكان يقول: كنت أقعد اليوم في الصحن الشريف، ولم
يكن فيه ولا في غيره أحد من أهل العلم إلا رجلاً معمماً من مجاوري أهل العجم،
كان يقعد في مقابلي وفي تلك الأيام لقيت شخصاً معظماً مبجلاً في بعض سكك المشهد
ما رأيته قبل ذلك اليوم ولا بعده، مع كون أهل المشهد في تلك الأيام محصورين، ولم
يكن يدخل عليهم أحل من الخارج، قال: ولما رآني قال ابتداء منه: أنت ترزق علم
التوحيد بعد حين.
وحدثني السيد المعظم، عن عمه الجليل أنه رحمه الله
بعد ذلك في ليلة من الليالي قد رأى ملكين نزلا عليه بيد أحدهما عدة ألواح فيها
كتابة، وبيد الآخر ميزان فأخذا يجعلان في كل كفة من الميزان لوحاً يوزنوها ثم
يعرضون الألواح المتقابلة علي فأقرؤها وهكذا إلى آخر الألواح، وإذا هما يقابلان
عقيدة كل واحد من خواص أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) وخواص أصحاب الأئمة
(عليهم السلام) مع عقيدة واحد من علماء الإمامية من سلمان وأبي ذر إلى آخر
البوابين، ومن الكليني والصدوقين، والمفيد والمرتضى، والشيخ الطوسي إلى بحر
العلوم خالي العلامة الطباطبائي ومن بعده من العلماء.
قال: فاطلعت في ذلك المنام على عقائد جميع الإمامية
من الصحابة وأصحاب الأئمة (عليهم السلام) وبقية علماء الإمامية، وإذا أنا محيط
بأسرار من العلوم لو كان عمري عمر نوح (عليه السلام) وأطلب هذه المعرفة، لما
أحطت بعشر معشار ذلك وذلك بعد أن قال الملك الذي بيده الميزان للملك الآخر الذي
بيده الألواح: أعرض الألواح على فلان، فأنا مأموران بعرض الألواح عليه، فأصبحت
وأنا علامة زمان في العرفان.
فلما جلست من المنام، وصليت الفريضة وفرغت من تعقيب
صلاة الصبح فإذا بطارق يطرق الباب، فخرجت الجارية فأتت إلي بقرطاس مرسول من أخي
في الدين المرحوم الشيخ عبد الحسين الأعشم فيه أبيات يمدحني فيها فإذا قد حرى
على لسانه في الشعر تفسير المنام على نحو الإجمال، قد ألهمه الله تعالى ذلك وأما
أبيات المدح فمنها قوله شعراً:
نرجو سعادة فإلي إلى سعادة فالك*** بك اختتام معال قد
افتتحن بخالك
وقد أخبرني بعقائد جملة من الصحابة المتقابلة مع بعض
العلماء الإمامية، ومن جملة ذلك عقيدة المرحوم خالي العلامة بحر العلوم في مقابلة
عقيدة بعض أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذين هم من خواصه وعقيدة
علماء آخرين الذين يزيدون على السيد المرحوم المذكور أو ينقصون إلا أن هذه
الأمور لما كانت من الأسرار التي لا يمكن إباحتها لكل أحد، لعدم تحمل الخلق
لذلك، مع أنه رحمه الله أخذ علي العهد ألا أبوح به لأحد وكانت تلك الرؤيا نتيجة
قول ذلك القائل الذي تشهد القرائن بكونه المنتظر المهدي.
حدث السيد الثقة
التقي الصالح السيد مرتضى النجفي رحمه الله وقد أدرك الشيخ شيخ الفقهاء وعمادهم
الشيخ جعفر النجفي وكان معروفاً عند علماء العراق بالصلاح والسداد، قال: كنا في
مسجد الكوفة مع جماعة فيهم أحد من العلماء المعروفين المبرزين في المشهد الغروي،
وقد سألته عن اسمه غير مرة فما كشف عنه، لكونه محلّّ هتك الستر، وإذاعة السر.
قال: ولما حضرت وقت الصلاة المغرب جلس الشيخ لدى
المحراب للصلاة والجماعة في تهيئة الصلاة بين جالس عنده، ومؤذن ومتطهر، وكان في
ذلك الوقت في داخل الموضع المعروف بالتنور ماء قليل من قناة خربة وقد رأينا
مجراها عند عمارة مقبرة هانئ بن عروة، والدرج التي تنزل إليه ضيقة مخروبة، لا
تسع غير واحد.
فجئت إليه وأردت النزول، فرأيت شخصاً جليلاً على هيئة
الأعراب قاعداً عند الماء يتوضأ وهو في غاية من السكينة والوقار والطمأنينة،
وكنت مستعجلاً لخوف عدم إدراك الجماعة فوفقت قليلاً فرأيته كالجبل لا يحركه شيء،
فقلت: وقد أقيمت الصلاة ما معناه لعلك لا تريد الصلاة مع الشيخ؟ أردت بذلك
تعجيله فقال: لا، قلت: ولم؟ قال: لأنه الشيخ الدخني، فما فهمت مراده، فوقفت حتى
أتم وضوءه، فصعد وذهب ونزلت وتوضأت وصليت، فلما قضيت الصلاة وانتشر الناس وقد
ملأ قلبي وعيني هيئته وسكونه وكلامه، فذكرت للشيخ ما رأيت وسمعت منه فتغيرت حاله
وألوانه، وصار متفكراً مهموماً فقال: قد أدركت الحجة (عجل الله فرجه الشريف) وما
عرفته، وقد أخبر عن شيء ما اطلع عليه إلا الله تعالى.
أعلم أني زرعت الدخنة في هذه السنة في الرحبة وهي
موضع في طرف الغربي من بحيرة الكوفة، محل خوف وخطر من جهة أعراب البادية
المترددين إليه، فلما قمت إلى الصلاة ودخلت فيها ذهب فكري إلى زرع الدخنة وأهمني
أمره، فصرت أتفكر فيه وفي آياته.
هذا خلاصة ما سمعته منه (رحمه الله) قبل هذا التاريخ بأزيد
من عشرين سنة وأستغفر الله من الزيادة والنقصان في بعض كلماته.
حدث بعض الصلحاء
الأبرار من أهل الحلة قال: خرجت غدوة من داري قاصداً زيارة السيد مهدي القزويني
أعلى الله مقامه فصار ممري في الطريق على المقام المعروف بقبر السيد محمد ذي
الدمعة فرأيت على شباكه الخارج إلى الطريق شخصاً بهيُّ المنظر يقرأ فاتحة
الكتاب، فتأملته فإذا هو غريب الشكل، وليس من أهل الحلة.
فقلت في نفسي: هذا رجل غريب قد اعتنى بصاحب هذا
المرقد، ووقف وقرأ له فاتحة الكتاب، ونحن أهل البلد نمرُّ ولا نفعل ذلك، فوقفت
وقرأت الفاتحة والتوحيد، فلما فرغت سلمت عليه، فرد السلام، وقال لي: يا علي أنت
ذاهب لزيارة السيد مهدي؟ قلت: نعم، قال: إني معك.
فلما صرنا ببعض الطريق قال لي: يا علي لا تحزن على ما
أصابك من الخسران وذهاب المال في هذه السنة، فإنك رجل امتحنك الله بالمال فوجدك
مؤدياً للحق وقد قضيت ما فرض الله عليك، وأما المال فإنه عرض زائل يجيئ ويذهب،
وكان قد أصابني خسران في تلك السنة لم يطلع عليه أحد مخافة الكسر، فاغتممت في
نفسي وقلت: سبحان الله كسري قد شاع وبلغِ حتى إلى الأجانب، إلا أني قلت له في
الجواب: الحمد لله على كل حال. فقال: إن ما ذهب من مالك سيعود إليك بعد مدة،
وترجع كحالك الأول، وتقضي ما عليك من الديون.
قال: فسكت وأنا مفكر في كلامه حتى انتهينا إلى باب
داركم، فوقفت ووقف، فقلت: ادخل يا مولاي فأنا من أهل الدار فقال لي:
ادخل أنت أنا صاحب الدار، فامتنعت فأخذ بيدي وأدخلني
أمامه فلما صرنا إلى المسجد وجدنا جماعة من الطلبة جلوساً يتنظرون خروج السيد
(قدس سره) من داخل الدار لأجل البحث. ومكانه من المجلس خال لم يجلس فيه أحد
احتراماً له، وفيه كتاب مطروح.
فذهب الرجل، وجلس في الموضع الذي كان السيد (قدس سره)
يعتاد الجلوس فيه ثم أخذ الكتاب وفتحه، وكان الكتاب شرائع المحقق (قدس سره) ثم
استخرج من الكتاب كراريس مسودة بخط السيد (قدس سره) وكان خطه في غاية الضعف لا
يقدر كل أحد على قراءته، فأخذ يقرأ في تلك الكراريس ويقول للطلبة: ألا تعجبون من
هذه الفروع وهذه الكراريس؟ هي بعض من جملة كتاب مواهب الأفهام في شرح شرائع
الإسلام وهو كتاب عجيب في فنه لم يبرز منه إلا ست مجلدات من أول الطهارة إلى
أحكام الأموات.
قال السيد أعلى الله درجته: لما خرجت من داخل الدار
رأيت الرجل جالساً في موضعي فلما رآني قام وتنحى عن الموضع فألزمته بالجلوس فيه،
ورأيته رجلاً بهيَّ المنظر، وسيم الشكل في زي غريب، فلما جلسنا أقبلت عليه
بطلاقة وجه وبشاشة، وسؤال عن حال واستحييت أن أسأله من هو وأين وطنه؟ ثم شرعت في
البحث فجعل الرجل يتكلم في المسألة التي نبحث عنها بكلام كأنه اللؤلؤ المتساقط
فبهرني كلامه فقال له بعض الطلبة: اسكت ما أنت وهذا، فتبسم وسكت.
قال رحمه الله: فلما انقضى البحث قلت له: من أين كان
مجيئك إلى الحلة؟ فقال: من البلد السليمانية، فقلت: متى خرجت؟ فقال: بالأمس خرجت
منها، وما خرجت منها حتى دخلها نجيب باشا فاتحاً لها عنوة بالسيف وقد قبض على
أحمد باشا الباباني المتغلب عليها، وأقام مقامه أخاه عبد الله باشا، وقد كان
أحمد باشا المتقدم قد خلع طاعة الدولة العثمانية وادعى السلطنة لنفسه في
السليمانية.
قال السيد قدس سره: فبقيت مفكراً في حديثه وأن هذا
الفتح وخبره لم يبلغ حتى إلى حكام الحلة، ولم يخطر لي أن أسأله كيف وصلت إلى
الحلة وبالأمس خرجت من السليمانية، وبين الحلة والسليمانية ما تزيد على عشرة
أيام للراكب المُجدِّ.
ثم إن الرجل أمر بعض خدمة الدار أن يأتيه بماء فأخذ
الخادم الإناء ليغترف به ماء من الجب فناداه لا تفعل! فإن في الإناء حيواناً
ميتاً فنظر فيه، فإذا فيه سامٌّ أبرص ميت فأخذ غيره وجاء بالماء إليه فلما شرب
قام للخروج.
قال الوالد قدس سره فقمت لقيامه فودعني وخرج فلما صار
خارج الدار قلت للجماعة هلا أنكرتم على الرجل خبره في فتح السليمانية فقالوا:
هلا أنكرت عليه؟
قال: فحدثني الحاج علي المتقدم بما وقع له في الطريق
وحدثني الجماعة بما وقع قبل خروجي من قراءته في المسودة، وإظهار العجب من الفروع
التي فيها.
قال السيد أعلى الله مقامه: فقلت: اطلبوا الرجل وما
أظنكم تجدونه هو والله صاحب الأمر روحي فداه فتفرق الجماعة في طلبه فما وجدوا له
عيناً ولا أثراً فكأنما صعد في السماء أو نزل في الأرض.
قال: فضبطنا اليوم الذي أخبر فيه عن فتح السليمانية
فورد الخبر ببشارة الفتح إلى الحلة بعد عشرة أيام من ذلك اليوم، وأعلن ذلك عند
حكامها بضرب المدافع المعتاد ضربها عند البشائر، عند ذوي الدولة العثمانية.
العالم الجليل
الشيخ يوسف البحريني في اللؤلؤة في ترجمة العالم الشيخ إبراهيم القطيفي المعاصر
للمحقق الثاني، عن بعض أهل البحرين أن هذا الشيخ دخل عليه الإمام الحجة (عليه
السلام) في صورة رجل يعرفه الشيخ فسأله أي الآيات من القرآن في المواعظ أعظم؟
فقال الشيخ: (إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقي في النار خيرٌ
أم من يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير)(1).
فقال: صدقت يا شيخ ثم خرج منه، فسأل أهل البيت: خرج
فلان؟ فقالوا: ما رأينا أحداً داخلاً ولا خارجاً.
الهوامش:
1- سورة فصلت: الآية 40.
قال الحر العاملي
رحمه الله: إني كنت في عصر الصبى وسني عشر سنين أو نحوها أصابني مرض شديد جداً
حتى اجتمع أهلي وأقاربي وبكوا وتهيأوا للتعزية، وأيقنوا أني أموت تلك الليلة.
فرأيت النبي والأئمة الاثني عشر صلوات الله عليهم،
وأنا فيما بين النائم واليقظان، فسلمت عليهم وصافحتهم واحداً واحداً، وجرى بيني
وبين الصادق (عليه السلام) كلام، ولم يبقي في خاطري إلا أنه دعا لي.
فلما سلمت على الصاحب (عليه السلام)، وصافحته، بكيت
وقلت: يا مولاي أخاف أن أموت في هذا المرض، ولم أقض وطري من العلم والعمل، فقال
(عليه السلام): لا تخف فإنك لا تموت في هذا المرض بل يفشيك الله تعالى تعمر
عمراً طويلاً ثم ناولني قدحاً كان في يده فشربت منه وأفقت في الحال وزال عني
المرض بالكلية، وجلس وتعجب أهلي وأقاربي، ولم أحدثهم بما رأيت إلا بعد أيام.
في كتاب الكلم
الطيب والغيث الطيب للسيد علي خان شارح الصحيفة ما لفظه: رأيت بخط بعض أصحابي من
السادات الأجلاء ما صورته:
سمعت في رجب سنة ثلاث وتسعين وألف، الأخ العالم
العامل، الأمير إسماعيل بن حسين بيك بن علي بن سليمان الحائري الأنصاري قال:
سمعت الشيخ الصالح التقي المتورع الشيخ الحاج علي المكي قال: إني ابتليت بضيق
وشدة ومناقضة خصوم، حتى خفت على نفسي القتل والهلاك، فوجدت الدعاء المسطور بعد
في جيبي من غير أن يعطينيه أحد، فتعجبت من ذلك، وكنت متحيراً فرأيت في المنام أن
قائلاً في زي الصلحاء والزهاد يقول لي: إنا أعطيناك الدعاء الفلاني فادع به تنج
من الضيق والشدة ولم يتبين لي من القائل؟ فزاد تعجبي فرأيت مرة أخرى الحجة
المنتظر(عليه السلام) فقال: ادع بالدعاء الذي أعطيتكه، وعلّم من أردت.
قال: وقد جربته مراراً عديدة، فرأيت فرجاً قريباً،
وبعد مدة ضاع مني الدعاء من الزمان، وكنت متأسفاً على فواته، مستغفراً من سوء
العمل، فجاءني شخص وقال لي: إن هذا الدعاء قد سقط منك في المكان الفلاني وما كان
في بالي أن رحت إلى ذلك المكان، فأخذت الدعاء، وسجدت لله شكراً وهو:
بسم الله الرحمن الرحيم رب أسألك مدداً روحانياً تقوي
به قوى الكلية والجزئية، حتى أقهر عبادي! نفسي كل نفس قاهرة، فتقبض لي إشارة
رقائقها انقباضاً تسقط به قواها حتى لا يبقى في الكون ذو روح إلا ونار قهري قد
أحرقت ظهوره، يا شديد يا شديد، يا ذا البطش الشديد، يا قهار، أسألك بما أودعته
عزرائيل من أسمائك القهرية، فانفعلت له النفوس بالقهر، أن تودعني هذا السر في
هذه الساعة حتى أُلين به كل صعب، وأذلل به كل منيع، بقوتك يا ذا القوة المتين.
تقرأ ذلك سحراً ثلاثاً إن أمكن، وفي الصبح ثلاثاً وفي
السماء ثلاثاًً، فإذا اشتدت الأمر على من يقرأه يقول بعد قراءته ثلاثين مرة:
يا رحمن يا رحيم يا أرحم الراحمين، أسألك اللطف.
في كتاب إثبات
الهداة بالنصوص والمعجزات للشيخ المحدث الجليل محمد بن الحسن الحر العاملي رحمه
الله قال: قد أخبرني جماعة من ثقات الأصحاب أنهم رأوا صاحب الأمر (عليه السلام)
في اليقظة، وشاهدوا منه معجزات متعددات، وأخبرهم بعدة مغيبات، ودعا لهم بدعوات مستجابات،
وأنجاهم من أخطار مهلكات.
قال رحمه الله: وكنا جالسين في بلادنا في قرية مشغر
في يوم عيد، ونحن جماعة من أهل العلم والصلحاء، فقلت لهم: ليت شعري في العيد
المقبل من يكون من هؤلاء حياً ومن يكون قد مات؟ فقال لي رجل كان اسمه (الشيخ
محمد) وكان شريكنا في الدروس:
أنا أعلم أني أكون في عيد آخر حياً وفي عيد آخر حياً
وعيد آخر إلى ستة وعشرين سنة، وظهر منه أنه جازم بذلك من غير مزاح، فقلت له: أنت
تعلم الغيب؟ قال: لا، ولكني رأيت المهدي (عليه السلام) في النوم وأنا مريض شديد
المرض، فقلت له: أنا مريض وأخاف أن أموت، وليس لي عمل صالح ألقى الله به، فقال:
لا تخف فإن الله تعالى يشفيك من هذا المرض، ولا تموت فيه بل تعيش ستاً وعشرين
سنة ثم ناولني كأساً كان في يده فشربت منه وزال عني المرض وحصل له الشفاء، وأنا
أعلم أن هذا ليس من الشيطان.
فلما سمعت كلام الرجل كتبت التاريخ، وكان سنة ألف
وتسعة وأربعين ومضت لذلك مدة وانتقلت إلى المشهد المقدس سنة ألف واثنين وسبعين،
فلما كانت السنة الأخيرة وقع في قلبي أن المدة قد انقضت فرجعت إلى ذلك التاريخ
وحسبته فرأيته قد مضى منه ست وعشرون سنة، فقلت: ينبغي أن يكون الرجل مات.
فما مضت مدة نحو شهر أو شهرين حتى جاءتني كتابة من
أخي –وكان في البلاد- يخبرني أن الرجل المذكور مات.
حدَّث الشيخ
الفاضل العالم الثقة الشيخ باقر الكاظمي، قال: كان في النجف الأشرف رجل مؤمن
يسمى الشيخ محمد حسن السريرة، وكان في سلك أهل العلم ذا نية صادقة، وكان معه مرض
السعال إذا سعل يخرج مر صدره مع الأخلاط دم، وكان مع ذلك في غاية الفقر
والاحتياج، لا يملك قوت يومه، وكان يخرج في أغلب أوقاته إلى البادية إلى الأعراب
الذين في أطراف النجف الأشرف، ليحصل له قوت ولو شعير، وما كان يتيسر ذلك على وجه
يكفيه، مع شدة رجائه، وكان مع ذلك قد تعلق فيه بتزويج امرأة من أهل النجف، وكان
يطلبها من أهلها وما أجابوه إلى ذلك لقلة ذات يده، وكان في هم وغم شديد من جهة
ابتلائه بذلك.
فلما اشتد به الفقر والمرض، وأيس من تزويج البنت، عزم
على ما هو معروف عند أهل النجف من أنه من أصابه أمر فواظب الرواح إلى مسجد
الكوفة أربعين ليلة أربعاء، فلا بدَّ أن يرى صاحب الأمر (عليه السلام) من حيث لا
يعلم ويقضي له مراده.
قال الشيخ باقر قدس سره: قال الشيخ محمد: فواظبت على
ذلك أربعين ليلة بالأربعاء فلما كانت الليلة الأخيرة وكانت ليلة شتاء مظلمة، وقد
هبت ريح عاصفة، فيها قليل من المطر، وأنا جالس في الدكة التي هي داخله في باب
المسجد وكانت الدكة الشرقية المقابلة للباب الأول تكون على الطرف الأيسر، عند
دخول المسجد، ولا أتمكن الدخول في المسجد من جهة سعال الدم، ولا يمكن قذفه في
المسجد وليس معي شيء أتقي فيه عن البرد، وقد ضاق صدري، واشتد علي همي وغمي،
وضاقت الدنيا في عيني، وأفكر أن الليالي قد انقضت، وهذه آخرها، وما رأيت أحداً
ولا ظهر لي شيء وقد تعبت هذا التعب العظيم وتحملت المشاق والخوف في أربعين ليلة،
أجيء فيها من النجف إلى مسجد الكوفة، ويكون لي الأياس من ذلك.
فبينما أنا أفكر في ذلك، وليس في المسجد أحد أبداً
وقد أوقدت ناراً لأسخن عليها قهوة جئت بها من النجف، لا أتمكن من تركها لتعودي بها،
وكانت قليلة جداً إذا بشخص من جهة الباب الأول متوجهاً إلي فلما نظرته من بعيد
تكدرت وقلت في نفسي: هذا أعرابيٌ من أطراف المسجد، قد جاء إلي ليشرب من القهوة
وأبقى بلا قهوة في هذا الليل المظلم، ويزيد علي همي وغمي.
فبينما أنا أفكر إذا به قد وصل إلي وسلم علي باسمي
وجلس في مقابلي فتعجبت من معفرته باسمي، وظننته من الذين أخرج إليهم في بعض
الأوقات من أطراف النجف الأشرف فصرت أسأله من أي العرب يكون؟ قال: من بعض العرب
فصرت أذكر له الطوائف التي في أطراف النجف، فيقول: لا لا، وكلما ذكرت له طائفة
قال: لا لست منها.
فأغضبني وقلت له: أجل أنت من طُريطرة مستهزءاً وهو
لفظ بلا معنى، فتبسم من قولي ذلك، وقال: لا عليك من أينما كنت ما الذي جاء بك
إلى هنا فقلت: وأنت ما عليك السؤال عن هذه الأمور؟ فقال: ما ضرك لو أخبرتني
فتعجبت من حسن أخلاقه وعذوبة منطقه، فمال قلبي إليه، وصار كلما تلكم ازداد حبي
له، فعملت له السبيل من التتن، وأعطيته، فقال: أنت أشرب فأنا لا أِشرب، وصببت له
في الفنجان قهوة وأعطيته، فأخذه وشرب شيئاً قليلاً منه، ثم ناولني في الباقي
وقال: أنت اشربه فأخذته وشربته، ولم ألتفت إلى عدم شربه تمام الفنجان، ولكن
يزداد حبي له آناً فآناً.
فقلت لـه: يا أخي أنت قد أرسلك الله إلي في هذه
الليلة تؤنسني أفلا تروح معي إلى أن نجلس في حضرة مسلم (عليه السلام)، ونتحدث؟
فقال: أروح معك فحدث حديثك.
فقلت له: أحكي لك الواقع أنا في غاية الفقر والحاجة،
مذ شعرت على نفسي ومع ذلك، مع سعال أتنخع الدم، وأقذفه من صدري منذ سنين، ولا
أعرف علاجه وما عندي زوجة، وقد علق قلبي بامرأة من أهل محلتنا في النجف الأشرف،
ومن جهة قلة ما في اليد ما تيسر لي أخذها.
وقد غرني هؤلاء الملائية وقالوا لي: أقصد في حوائجك
صاحب الزمان وبت أربعين ليلة الأربعاء في مسجد الكوفة، فإنك تراه، ويقضي لك
حاجتك وهذه آخر ليلة من الأربعين، وما رأيت فيها شيئاً وقد تحملت هذه المشاق في
هذه الليالي فهذا الذي جاء بي هنا، وهذه حوائجي.
فقال لي وأنا غافل غير ملتفت: أما صدرك فقد برأ، وأما
الامرأة فتأخذها عن قريب، وأما فقرك فيبقى على حاله حتى تموت، وأنا غير ملتفت
إلى هذا البيان أبداً.
فقلت: ألا تروح إلى حضرة مسلم؟ قال: قم، فقمت وتوجه
أمامي، فلما وردنا أرض المسجد فقال: ألا تصلي صلاة تحية المسجد، فقلت: أفعل، هو
قريباً من الشاخص الموضوع في المسجد، وأنا خلفه بفاصلة، فأحرمت الصلاة وصرت أقرأ
الفاتحة.
فبينما أنا أقرأ وإذا يقرأ قراءة ما سمعت أحداً يقرأ
مثلها أبداً فمن حسن قراءته قلت في نفسي: لعله هذا هو صاحب الزمان وذكرت بعض
كلمات له تدل ثم نظرت إليه بعد ما خطر في قلبي ذلك، وهو في الصلاة، وإذا به قد
أحاطه نور عظيم منعني من تشخيص شخصه الشريف، وهو مع ذلك يصلي وأنا أسمع قراءته.
وقد ارتعدت فرائصي، ولا أستطيع قطع الصلاة خوفاً منه
فأكلمتها على أي وجه كان، وقد علا النور من وجه الأرض، فصرت أندبه وأبكي وأتضجر
وأعتذر من سوء أدبي معه في باب المسجد، وقلت له: أنت صادق الوعد، وقد وعدتني
الرواح معي إلى مسلم.
فبينما أنا أكلم النور، وإذا بالنور قد توجه إلى جهة
مسلم، فتبعته فدخل النور الحضرة، وصار في جو القبة، ولم يزل على ذلك ولم أزل
أندبه وأبكي حتى طلع الفجر، عرج النور.
فلما كان الصباح التفت إلى قوله: أما صدرك فقد برأ،
وإذا أنا صحيح الصدر، وليس معي سعال أبداً وما مضى أسبوع إلا وسهل الله علي أخذ
البنت من حيث لا أحتسب، وبقي فقري على ما كان كما أخبر (عليه السلام).
نقل السيد الشهيد
القاضي نور الله الشوشتري في مجالس المؤمنين في ترجمة آية الله العلامة الحلي
(قدس سره) أن من جملة مقاماته العالية، أنه اشتهر عند أهل الإيمان أن بعض علماء
أهل السنة ممن تتلمذ عليه العلامة في بعض الفنون ألف كتاباً في رد الإمامية،
ويقرأ الناس في مجالسه ويضلهم، وكان لا يعطيه أحداً خوفاً من أن يرده أحد من الإمامية،
فاحتال رحمه الله في تحصيل هذا الكتاب إلى أن جعل تتلمذه عليه وسيلة لأخذه
الكتاب منه عارية، فالتجأ الرجل واستحيي من رده وقال: إني آليت على نفسي أن لا
أعطيه أحداً أزيد من ليلة، فاغتنم الفرصة في هذا المقدار من الزمان، فأخذه منه
وأتى به إلى بيته لينقل منه ما تيسر منه.
فلما اشتغل بكتابه وانتصف الليل، غلبه النوم، فحضر
الحجة (عليه السلام) وقال: ناولني الكتاب وخذ في نومك فانتبه العلامة وقد تم
الكتاب بإعجازه (عليه السلام).
وظاهر عبارته يوهم أن الملاقاة والمكالمة كان في
اليقظة وهو بعيد والظاهر أنه في المنام والله العالم.
العالم الفاضل
السيد علي خان الحويزاوي في كتاب خير المقال عند ذكر من رأى القائم (عليه
السلام) قال: فمن ذلك ما حدثني به رجل من أهل الإيمان ممن أثق به أنه حج مع
جماعة على طريق الأحساء في ركب قليل، فلما رجعوا كان معهم رجل يمشي تارة ويركب
أخرى، فاتفق أنهم أولجوا في بعض المنازل أكثر من غيره ولم يتفق لذلك الرجل
الركوب، فلما نزلوا للنوم واستراحوا، ثم رحلوا من هناك وبقي نائماً إلى أن أيقظه
حر الشمس.
فلما انتبه لم ير أحداً، فقام يمشي وهو موقن بالهلاك،
فاستغاث بالمهدي (عليه السلام) فبينما هو كذلك، فإذا هو برجل في زي أهل البادية،
راكب ناقته قال: فقال: يا هذا أنت منقطع بك؟ قال: فقلت: نعم، قال: أتحب أن ألحقك
برفقائك؟ قال: قلت: هذا والله مطلوبي لا سواه، فقرب مني وأناخ ناقته، وأردفني
خلفه، ومشى فما مشينا خطا يسيرة إلا وقد أدركنا الركب، فلما قربنا منهم أنزلني
وقال: هؤلاء رفقاؤك ثم تركني وذهب.
قال السيد محمد
بن أحمد بن حيدر الحسني الحسيني: لما كنت مجاوراً في النجف الأشرف لأجل تحصيل
العلوم الدينية وذلك في حدود السنة الخامسة والسبعين بعد المائتين والألف من
الهجرة النبوية كنت أسمع جماعة من أهل العلم وغيرهم من أهل الديانة، يصفون رجلاً
يبيع البقل وشبهه أنه رأى مولانا الإمام المنتظر سلام الله عليه، فطلبت معرفة
شخصه حتى عرفته، فوجدته رجلاً صالحاً متديناً وكنت أحب الاجتماع معه، في مكان
خال لأستفهم منه كيفية رؤيته مولانا الحجة روحي فداه، فصرت كثيراً ما أسلم عليه
وأشتري منه مما يتعاطى ببيعه، حتى صار بيني وبينه نوع مودة، كل ذلك مقدمة
لتعرُّف خبره المرغوب في سماعه عندي حتى اتفق لي أني توجهت إلى مسجد السهلة
للاستجارة فيه، والصلاة والدعاء في مقاماته الشريفة ليلة الأربعاء.
فلما وصلت إلى باب المسجد رأيت الرجل المذكور على
الباب، فاغتنمت الفرصة وكفلته المقام معي تلك الليلة، فأقام معي حتى فرغنا من
العمل الموظف في مسجد سهيل وتوجهنا إلى المسجد الأعظم مسجد الكوفة على القاعدة المتعارفة
في ذلك الزمان، حيث لم يكن في مسجد السهلة معظم الإضافات الجديدة من الخدام
والمساكن.
فلما وصلنا إلى المسجد الشريف، واستقر بنا المقام،
وعملنا بعض الأعمال الموظفة فيه، سألته عنه خبره والتمست منه أن يحدثني بالقصة
تفصيلاً، فقال ما معناه:
إني كنت كثيراً ما أسمع من أهل المعرفة والديانة أن
من لازم عمل الاستجارة في مسجد السهلة أربعين ليلة أربعاء متوالية، بنية رؤية
الإمام المنتظر (عليه السلام) وفق لرؤيته، وأن ذلك قد جربت مراراً فاشتاقت نفسي
إلى ذلك، ونويت ملازمة عمل الاستجارة في كل ليلة أربعاء، ولم يمنعني من ذلك شدة
حر ولا برد، ولا مطر ولا غير ذلك، حتى مضى لي ما يقرب من مدة سنة، وأنا ملازم
لعمل الاستجارة وأبات في مسجد الكوفة على القاعدة المتعارفة.
ثم إني خرجت عشية يوم الثلاثاء ماشياً على عادتي وكان
الزمان شتاء، وكانت تلك العشية مظلمة جداً لتراكم الغيوم مع قليل مطر، فتوجهت
إلى المسجد وأنا مطمئن بمجيء الناس على العادة المستمرة، حتى وصلت إلى المسجد،
وقد غربت الشمس واشتد الظلام وكثر الرعد والبرق، فاشتد بي الخوف وأخذني الرعب من
الوحدة لأني لم أصادف في المسجد الشريف أحداً أصلاً حتى أن الخادم المقرر للمجيء
ليلة الأربعاء لم يجيء تلك الليلة.
فاستوحشت لذلك للغاية ثم قلت في نفسي: ينبغي أن أُصلي
المغرب وأعمل عمل الاستجارة عجالة، وأمضي إلى مسجد الكوفة فصبّرت نفسي، وقمت إلى
الصلاة المغرب فصليتها، ثم توجهت لعمل الاستجارة، وصلاتها ودعائها، وكنت أحفظه.
فبينما أنا في صلاة الاستجارة إذ حانت مني التفاتة
إلى المقام الشريف المعروف بمقام صاحب الزمان (عليه السلام)، وهو في قبلة مكان
مصلاي، فرأيت فيه ضياء كاملاً وسمعت فيه قراءة مصل فطابت نفسي، وحصل كمال الأمن
والاطمئنان، وظننت أن في المقام الشريف بعض الزوار، وأنا لم أطلع عليهم وقت
قدومي إلى المسجد فأكملت عمل الاستجارة، وأنا مطمئن القلب.
ثم توجهت نحو المقام الشريف ودخلته، فرأيت فيه ضياء
عظيماً لكني لم أر بعيني سراجاً ولكني في غفلة عن التفكر في ذلك، ورأيت فيه
سيداً جليلاً مُهاباً بصورة أهل العلم، وهو قائم يصلي فارتاحت نفسي إليه، وأن
أظن أنه من الزوار الغرباء لأني تأملته في الجملة فعلمت أنه من سكنة النجف الأشرف.
فشرعت في زيارة مولانا الحجة سلام الله عليه عملاً
بوظيفة المقام، وصليت صلاة الزيارة، فلما فرغت أردت أكلّمه في المضيِّ إلى مسجد
الكوفة، فهبته وأكبرته، وأنا أنظر إلى خارج المقام، فأرى شدة الظلام، وأسمع صوت
الرعد والمطر، فالتفت إلي بوجهه الكريم برأفة وابتسام، وقال لي: تحب أن تمضي إلى
مسجد الكوفة؟
فقلت: نعم يا سيدنا عادتنا أهل النجف إذا تشرفنا بعمل
هذا المسجد نمضي إلى مسجد الكوفة، ونبات فيه، لأن فيه سكاناً وخدّاماً وماء.
فقام، وقال: قم بنا نمضي إلى مسجد الكوفة، فخرجت معه
وأنا مسرور به وبحسن صحبته فمشينا في ضياء وحسن هواء وأرض يابسة لا تعلق بالرجل
وأنا غافل عن حال المطر والظلام الذي كنت أراه، حتى وصلنا إلى بابا المسجد وهو
روحي فداه معي وأنا في غاية السرور والأمن بصحبته، ولم أر ظلاماً ولا مطراً.
فطرقت باب الخارجة عن المسجد، وكانت مغلقة فأجابني
الخادم من الطارق؟ فقلت: افتح الباب، فقال: من أين أقبلت في هذه الظلمة والمطر
الشديد؟ فقلت: من مسجد السهلة، فلما فتح الخادم الباب التفت إلى ذلك السيد
الجليل فلم أره وإذا بالدنيا مظلمة للغاية، وأصابني المطر فجعلت أنادي يا سيدنا
يا مولانا تفضل فقد فتحت الباب، ورجعت ورائي أتفحص عنه وأنادي فلم أر أحداً
أصلاً وأضرَّ بي الهواء والمطر والبرد في ذلك الزمان القليل.
فدخلت المسجد وانتبهت من غفلتي وكأني كنت نائماً
فاستيقظت وجعلت ألوم نفسي على عدم التنبه لما كنت أرى من الآيات الباهرة، وأتذكر
ما شاهدته وأنا غافل من كراماته: من الضياء العظيم في المقام الشريف مع أني لم
أر سراجاً ولو كان في ذلك المقام عشرون سراجاً لما وفي بذلك الضياء وذكرت أن ذلك
السيد الجليل سماني باسمي مع أني لم أعرفه ولم أره قبل ذلك.
وتذكرت أني لما كنت في المقام كنت أنظر إلى فضاء
المسجد، فأرى الظلام الشديد، وأسمع صوت المطر والرعد، وإني لما خرجت من المقام
مصاحباً له سلام الله عليه، كنت أمشي في ضياء بحيث أرى موضع قدمي، والأرض يابسة
والهواء عذب، حتى وصلنا إلى باب المسجد، ومنذ فارقني شاهدت الظلمة والمطر وصعوبة
الهواء، إلى غير ذلك من الأمور العجيبة، التي أفادتني اليقين بأنه الحجة صاحب
الزمان (عليه السلام) الذي كنت أتمنى من فضل الله التشرف برؤيته، وتحملت مشاقَّ
عمل الاستجارة عند قوة الحر والبرد لمطالعة حضرته سلام الله عليه فشكرت الله
تعالى شأنه والحمد لله.
في تاريخ قم
تأليف الشيخ الفاضل الحسن بن محمد بن الحسن القمي من كتاب مؤنس الحزين في معرفة
الحق واليقين، من مصنفات أبي جعفر محمد بن بابويه ما لفظه بالعربية:
باب ذكر بناء مسجد جمكران، بأمر الإمام المهدي عليه
صلوات الله الرحمن وعلى آبائه المغفرة، سبب بناء المسجد المقدس في جمكران بأمر
الإمام (عليه السلام) على ما أخبر به الشيخ العفيف الصالح حسن بن مثلة الجمكراني
قال: كنت ليلة الثلاثاء السابع عشر من شهر رمضان المبارك سنة ثلاث وتسعين
وثلاثمائة نائماً في بيتي فلما مضى نصف من الليل فإذا بجماعة من الناس على باب
بيتي فأيقظوني: وقالوا: قم وأجب الإمام المهدي صاحب الزمان فإنه يدعوك.
قال: فقمت وتعبأت وتهيأت، فقلت: دعوني حتى ألبس
قميصي، فإذا بنداء من جانب الباب: (هو مكان قميصك) فتركته وأخذت سراويلي، فنودي:
(ليس ذلك منك، فخذ سراويلك) فألقيته وأخذت سراويلي ولبسته، فقمت إلى مفتاح الباب
أطلبه فنودي (الباب مفتوح).
فلما جئت إلى الباب، رأيت قوماً من الأكابر، فسلمت
عليهم، فردوا ورحبوا بي، وذهبوا بي إلى موضع هو المسجد الآن، فلما أمعنت النظر
رأيت أريكة فرشت عليها فراش حسان، وعليها وسائد حسان، ورأيت فتى في زي ابن
ثلاثين متكئاً عليها، وبين يديه شيخ، وبيده كتاب يقرؤه عليه وحوله أكثر من ستين
رجلاً يصلون في تلك البقعة، وعلى بعضهم ثياب بيض، وعلى بعض ثياب خضر.
وكان ذلك الشيخ هو الخضر (عليه السلام) فأجلسني ذلك
الشيخ (عليه السلام)، ودعاني الإمام (عليه السلام) باسمي، وقال: اذهب إلى حسن بن
مسلم، وقل له: إنك تعمر هذه الأرض منذ سنين وتزرعها، ونحن نخربها، زرعت خمس
سنين، والعام أيضاً أنت على حالك من الزراعة والعمارة؟ ولا رخصة لك في العود
إليها وعليك رد ما انتفعت به من غلات هذه الأرض ليبني فيها مسجد وقل لحسن بن
مسلم إن هذه أرض شريفة قد اختارها الله تعالى من غيرها من الأراضي وشرفها، وأنت
قد أضفتها إلى أرضك، وقد جزاك الله بموت ولدين لك شابين، فلم تنتبه عن غفلتك،
فإن لم تفعل ذلك لأصابك من نقمة الله من حيث لا تشعر.
قال حسن بن مثلة: (قلت) يا سيدي لا بد لي في ذلك من
علامة، فإن القوم لا يقبلون ما لا علامة ولا حجة عليه، ولا يصدقون قولي، قال:
إنا سنعلم هناك فاذهب وبلغ رسالتنا، واذهب إلى السيد أبي الحسن وقل له: يجيء
ويحضره ويطالبه بما أخذ من منافع تلك السنين، ويعطيه الناس حتى يبنوا المسجد،
ويتم ما نقص منه من غلة رهق ملكنا بناحية أدرهال ويتم المسجد، وقد وقفنا نصف رهق
على هذا المسجد، ليجلب غلته كل عام، ويصرف إلى عمارته.
وقل للناس: ليرغبوا إلى هذا الموضع ويعززوه ويصلوا
هنا أربع ركعات للتحية في كل ركعة يقرأ سورة الحمد مرة، وسورة الإخلاص سبع مرات
ويسبح في الركوع والسجود سبع مرات، وركعتان للإمام صاحب الزمان عليه السلام
هكذا: يقرأ الفاتحة فإذا وصل إلى: (إياك نعبد وإياك نستعين) كرره مائة مرة ثم
يقرؤها إلى آخرها وهكذا يصنع في الركعة الثانية، ويسبح في الركوع والسجود سبع مرات،
فإذا أتم الصلاة يهلل ويسبح تسبيح فاطمة الزهراء (عليها السلام) فإذا فرغ من
التسبيح يسجد ويصلي على النبي وآله مائة مرة، ثم قال (عليه السلام): ما هذه
حكاية لفظه: فمن صلاها فكأنما في البيت العتيق.
قال حسن بن مثلة: قلت في نفسي كأن هذا موضع أنت تزعم
أنما هذا المسجد للإمام صاحب الزمان مشيراً إلى ذلك الفتى المتكئ على الوسائد
فأشار ذلك الفتى إلي أن اذهب.
فرجعت فلما سرت بعض الطريق دعاني ثانية، وقال: إن في
قطيع جعفر الكاشاني الراعي معزاً يجب أن تشتريه فإن أعطاك أهل القرية الثمن
تشتريه وإلا فتعطي من مالك، وتجيء به إلى هذا الموضع، وتذبحه الليلة الآتية ثم
تنفق يوم الأربعاء الثامن عشر من شهر رمضان المبارك لحم ذلك المعز على المرضى،
ومن به علة شديدة، فإن الله يشفي جميعهم، وذلك المعز أبلق، كثير الشعر، وعليه
سبع علامات سود وبيض: ثلاث على جانب وأربع على جانب، سود وبيض كالدراهم.
فذهبت فأرجعوني ثالثة، وقال (عليه السلام): تقيم بهذا
المكان سبعين يوماً أو سبعاً فإن حملت على السبع انطبق على ليلة القدر، وهو
الثالث والعشرون وإن حملت على السبعين انطبق على الخامس والعشرين من ذي القعدة،
وكلاهما يوم مبارك.
قال حسن بن مثلة: فعدت حتى وصلت إلى داري ولم أزل
الليل متفكراً حتى أسفر الصبح، فأديت الفريضة، وجئت إلى علي بن المنذر، فقصصت
عليه الحال، فجاء معي حتى بلغت المكان الذي ذهبوا بي إليه البارحة، فقال: والله
إن العلامة التي قال لي الإمام واحدة منها أن هذه السلاسل والأوتاد ههنا.
فذهبنا إلى السيد الشريف أبي الحسن الرضا فلما وصلنا
إلى باب داره رأينا خدامه وغلمانه يقولون إن السيد أبا الحسن الرضا ينتظرك من
سحر، أنت من جمكران؟ قلت: نعم فدخلت عليه الساعة، وسلمت عليه وخضعت فأحسن في
الجوانب وأكرمني ومكن لي في مجلسه، وسبقني قبل أن أحدثه وقال: يا حسن بن مثلة
إني كنت نائماً فرأيت شخصاً يقول لي: إن رجلاً من جمكران يقال له: حسن بن مثلة
يأتيك بالغدو، ولتصدقن ما يقول، واعتمد على قوله، فإن قوله قولنا، فلا تردن عليه
قوله، فانتبهت من رقدتي، وكنت أنتظرك الآن.
فقص عليه الحسن بن مثلة القصص مشروحاً فأمر بالخيول
لتسرج، وتخرجوا فركبوا فلما قربوا من القرية رأوا جعفر الراعي وله قطيع على جانب
الطريق فدخل حسن بن مثلة بين القطيع، وكان ذلك المعز خلف القطيع فأقبل المعز
عادياً إلى الحسن بن مثلة فأخذه الحسن ليعطي ثمنه الراعي ويأتي به فأقسم جعفر
الراعي أني ما رأيت هذا المعز قط، ولم يكن في قطيعي إلا أني رأيته وكلما أريد أن
آخذه لا يمكنني، والآن جاء إليكم، فأتوا بالمعز كما أمر به السيد إلى ذلك الموضع
وذبحوه.
وجاء السيد أبو الحسن الرضا (رضي الله عنه) إلى ذلك
الموضع، وأحضروا الحسن بن مسلم واستردوا منه الغلات وجاؤوا بغلات رهق، وسقفوا
المسجد بالجزوع وذهب السيد أبو الحسن الرضا (رضي الله عنه) بالسلاسل والأوتاد
وأودعها في بيته فكان يأتي المرضى والأعلاّء ويمسون أبدانهم بالسلاسل فيشفيهم
الله تعالى عاجلاً ويصحون.
قال أبو الحسن محمد بن حيدر: سمعت بالاستفاضة أن
السيد أبا الحسن الرضا في المحلة المدعوة بموسويان من بلدة قم، فمرض بعد وفاته
ولد له، فدخل بيته وفتح الصندوق الذي فيه السلاسل والأوتاد، فلم يجدها.
انتهت حكاية بناء هذا المسجد الشريف، المشتملة على
المعجزات الباهرة والآثار الظاهرة التي منها وجود مثل بقرة بني إسرائيل في معز
من معزى هذه الأمة.
قال المؤلف: لا يخفي أن مؤلف تاريخ قم، هو الشيخ
الفاضل حسن بن محمد القمي من معاصري الصدوق (رضوان الله عليه)، وروي في ذلك
الكتاب، عن أخيه حسين بن علي بن بابويه (رضوان الله عليه)، وأصل الكتاب على
اللغة العربية ولكن في السنة الخامسة والستين بعد ثمان مائة نقله إلى الفارسية
حسن بن علي بن حسن بن عبد الملك بأمر الخاجا فخر الدين إبراهيم بن الوزير الكبير
الخاجا شمس الدين محمد بن علي الصفي.
قال العلامة المجلسي في أول البحار: إنه كتاب معتبر،
ولكن لم يتيسر لنا أصله، وما بأيدينا إنما هو ترجمته وهذا كلام عجيب، لأن الفاضل
الألمعي الميرزا محمد أشرف صاحب كتاب فضائل السادات كان معاصراً له ومقيماً بإصفهان،
وهو ينقل من النسخة العربية بل ونقل عنه الفاضل المحقق الآغا محمد علي الكرمانشهاني
في حواشيه على نقد الرجال، في باب الحاء في اسم الحسن، حيث ذكر الحسن ابن مثلة،
ونقل ملخص الخبر المذكور من النسخة العربية، وأعجب منه أن أصل الكتاب كان
مشتملاً على عشرين باباً.
وذكر العالم الخبير الميرزا عبد الله الأصفهاني تلميذ
العلامة المجلسي في كتابه الموسوم برياض العلماء في ترجمة صاحب هذا التاريخ إنه
ظفر على ترجمة هذا التاريخ في قم، وهو كتاب كبير حسن كثير الفوائد في مجلدات
عديدة.
ولكني لم أظفر على أكثر من مجلد واحد، مشتمل على
ثمانية أبواب بعد الفحص الشائع.
وقد نقلنا الخبر السابق من خط السيد المحدث الجليل
السيد نعمة الله الجزائري عن مجموعة نقله منه ولكنه كان بالفارسية فنقلناه
ثانياً إلى العربية ليلائم نظم هذا المجموع، ولا يخفي أن كلمة (التسعين) الواقعة
في صدر الخبر بالمثناة فوق ثم السين المهملة، كانت في الأصل سبعين مقدم المهملة
على الموحدة واشتبه على الناسخ لأن وفاة الشيخ الصدوق كانت قبل التسعين، ولذا
نرى جمعاً من العلماء يكتبون في لفظ السبع أو السبعين بتقديم السين أو التاء
حذراً عن التصحيف والتحريف والله تعالى هو العالم.
في كتاب نور
العيون تأليف الفاضل الخبير الألمعي السيد محمد شريف الحسيني الأصبهاني عن
أستاذه العالم الصالح الزاهد الورع الميرزا محمد تقي بن الميرزا محمد كاظم بن الميرزا
عزيز الله بن المولى محمد تقي المجلسي الملقب بالألماسي وهو من العلماء الزاهدين
وكان بصيراً في الفقه والحديث والرجال، قال في رسالة له في ذكر من رآه (عليه
السلام) في الغيبة الكبرى:
حدثني بعض أصحابنا عن رجل صالح من أهل بغداد وهو حي
إلى هذا الوقت أي سنة ست وثلاثين بعد المائة والألف، قال:
إني كنت قد سافرت في بعض السنين مع جماعة، فركبنا
السفينة وسرنا في البحر، فاتفق أنه انكسرت سفينتنا، وغرق جميع من فيها وتعلقت
أنا بلوح مكسور فألقاني البحر بعد مدة إلى جزيرة، فسرت في أطراف الجزيرة، فوصلت
بعد اليأس من الحياة بصحراء فيها جبل عظيم.
فلما وصلت إليه رأيته محيطاً بالبحر إلا طرفاً منه
يتصل بالصحراء واستشممت منه رائحة الفواكه، ففرحت وزاد شوقي، وصعدت قدراً من
الجبل حتى إذا بلغت إلى وسطه في موضع أملس مقدرا عشرين ذراعاً لا يمكن الاجتياز
منه أبداً، فتحيرت في أمري فصرت أتفكر في أمري فإذا أنا بحيّة عظيمة كالأشجار
العظيمة تستقبلني في غاية السرعة، ففررت منها منهزماً مستغيثاً بالله تبارك
وتعالى في النجاة من شرها كما نجاني من الغرق.
فإذا أنا بحيوان شبه الأرنب قصد الحية مسرعاً من أعلى
الجبل حتى وصل إلى ذنبها فصعد منه حتى إذا وصل رأس الحية إلى ذلك الحجر الأملس
وبقي ذنبه فوق الحجر، وصل الحيوان إلى رأسها وأخرج من فمه حمةً مقدار أصبع
فأدخلها في رأسها ثم نزعها وأدخلها في موضع آخر منه وولى مدبراً فماتت الحية في
مكانها من وقتها، وحدث فيها عفونة كادت نفسي أن تطلع من رائحتها الكريهة فما كان
بأسرع من أن ذاب لحمها، وسال في البحر، وبقي عظامها كسلم ثابت في الأرض يمكن
الصعود منه.
فتفكرت في نفسي، وقلت: إن بقيت هنا أموت من الجوع
فتوكلت على الله في ذلك، وصعدت منها حتى علوت الجبل، وسرت من طرف قبلة الجبل
فإذا أنا بحديقة بالغة حد الغاية في الغضارة والنضارة والطراوة والعمارة فسرت
حتى دخلتها وإذا فيها أشجار مثمرة كثيرة، وبناء عال مشتمل على بيوتات، وغُرف
كثيرة في وسطها.
فأكلت من تلك الفواكه، واختفيت في بعض الغرف وأنا
أتفرج الحديقة وأطرافها فإذا أنا بفوارس قد ظهروا من جانب البر قاصدي الحديقة،
يقدمهم رجل ذو بهاء وجمال وجلال، وغاية من المهابة، يعلم من ذلك أنه سيدهم،
فدخلوا الحديقة، ونزلوا من خيولهم وخلوا سبيلها، وتوسطوا القصر فتصدر السيد وجلس
الباقون متأدبين حوله.
ثم أحضروا الطعام، فقال لهم ذلك السيد: إن لنا في هذا
اليوم ضيفاً في الغرفة الفلانية ولا بد من دعوته إلى الطعام فجاء بعضهم في طلبي
فخفت وقلت: اعفني من ذلك، فأخبر السيد بذلك، فقال: اذهبوا بطعامه إليه في مكانه
ليأكله، فلما فرغنا من الطعام، أمر بإحضاري وسألني عن قصتي، فحكيت له القصة،
فقال: أتحب أن ترجع إلى أهلك؟ قلت: نعم، فأقبل على واحد منهم، وأمره بإيصالي إلى
أهلي، فخرجت أنا وذلك الرجل من عنده.
فلما سرنا قليلاً قال لي الرجل: انظر فهذا سور بغداد!
فنظرت إذا أنا بسوره وغاب عني الرجل، فتفطنت من ساعتي هذه، وعلمت أني لقيت سيدي
ومولاي (عليه السلام)، ومن سوء حظي حرمت من هذا الفيض العظيم، فدخلت بلدي وبيتي
في غاية من الحسرة والندامة.
قلت: وحدثني العالم الفقيه النبيه الصفي الحاج المولى
الهادي الطهراني قدس سره أنه رأى هذه الحكاية في الرسالة المذكورة، والظاهر
اسمها بهجة الأولياء.
تاجر فاز بلقاء إمام العصر (عليه السلام) بعدما ضل طريقه إلى الحج!
|