![]() |
|
|
|
من الذي رآه في الغيبة الكبري؟إنّ الذين تشرفوا بلقاء الإمام الحجّة المهدي عليه السلام في أيم الغيبة الكبري – كثيرون جدّا، ولا يمكن إحصاؤهم ، كما يصعب إستيعاب أسماء من سجّلتهم كتب التاريخ والحديث في هذا المجال . وقد ذكر الشيخ المجلسي – رحمه الله تعالى- أسماء جماعة من الذين تشرفوا بلقاء الإمام في أيم الغيبة الكبري ، في كتاب بحار الأنوار [1] . كما ذكر الشيخ النوري – في كتاب النجم الثاقب – مائة قصّة عن الذين ساعدهم الحظ ففاوزا بلقائه عليه السلام ثم انتخب منها ثمان وخمسين قصّة وحكاية ، وذكرها في كتاب جنّة المأوي [2] . وقد ألّف علماؤنا القدامي والمعاصرون – كتبا مستقلّة حول الذين تشرفوا بلقاء المهدي عليه السلام ، مثل : كتاب ( تبصرة الولي ، فمن رأي القائم المهدي ) للسيد هاشم البحراني ، و( تذكرة الطالب ، فيمن رأي الإمام الغائب) ، و( دار السلام ، فيمن فاز بسلام الإمام ) للشيخ محمود الميثمي العراقي ،و( بدائع الكلام فيمن اجتمع بالإمام ) للسيد جمال الدين محمد بن الحسين اليزدي الطباطبائي ، و ( البهجة فيمن فاز بلقاء الحجّة ) للميرزا محمد تقي الألماسي الأصفهاني ، و( العبقري الحسان في تواريخ صاحب الزمان ) للشيخ علي أكبر النهاوندي . أما قصص وحكايات الذين تشرفوا بلقاء الإمام المهدي عليه السلام في زماننا هذا – ممّن لم يذكر قصصهم المحدثون ، ولم يسجل أسماءهم المؤلفون – فكثيرة جدّا . وبما أنّ للقصص أهمية كبري في التثقيف والتوجيه والتعليم ، ولذا نتخب في هذا الموضوع – من مجموعة القصص والحكايات – عشرة قصص، ونوجزها رعاية للإختصار . والجدير بالذكر أنّ كثيرا من الذين ساعدهم التوفيق ففازوا بهذا الشرف العظيم ، ما كانوا يخبرون أحدا بذلك ، خوفا من الشهرة ، أو من أن يتهموا بالكذب والدجل فلا يصدقهم أحد ، أو تقية ، من السلطة أو ما شابة ذلك ، ولهذا كانوا يفضلون السكوت على الإخبار بذلك . وأماّ الذين أخبروا بالتشرف بلقاء الإمام المهدي عليه السلام ممّن وصلتنا أخبارهم – فلعل الضرورة اقتضت ذلك ، أو أنّ التكليف الشرعي فرض عليهم ، إثباتا للحق وتثبتا لعقائد الناس . وفيما يلي نذكر القصص المختارة ، مع رماعاة الإختصار : 1- قصّة الرمّانة في البحرين :لقد كانت بلاد البحرين – ولاتزال- آهلة بشيعة أهل البيت عليهم السلام ، وفي القرن السابع الهجري كان والي البحرين من النواصب والأعداء الألدّاء للشيعة ، وكان وزيره أخبث منه ، وأكثر بغضا للشيعة . في يوم من الأيام جاء ير للزالي برمانة مكتوب عليها : لا إله إلاّ الله ، محمد رسول الله ، وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي خلفاء رسول الله ) صلى الله عليه وآله وسلم فنظر الوالي إلى كتابة الرمانة ، فظن أنّ تلك الخطوط كتبت بقلم القدرة ، وليست من صنع البشر . فقال للوزير : هذه آية بيّنة ، وحجّة قوية على إبطال مذهب الرافضة – يقصد الشيعة - . فاقترح الوزير أن يجمع الوزالي علماء الشيعة وشخصياتهم ، ويرويهم الرمانة ، فإن تخلوا عن مذهب التشيع واعتنقوا مذهب أهل السنة ، وتركهم بحالهم ،وإن أبوا إلاّ التمسك بمذهبهم ، خيّرهم بين ثلاثة أمور : الأول : أن يدفعوا : الجزية ، كما يدفعها غير المسلمين من اليهود والنصاري والمجوس . الثاني : أن يأتوا بجواب لردّ وتفنيد الكتابة الموجودة على الرمانة . الثالث : أن يقتل الوالي رجالهم ، ويسبس نساءهم وأولادهم ، ويأخذ أموالهم بالغنيمة ! . فأرسل الوالي إلى شخصيات الشيعة وأحضرهم ، وأراهم الرمّانة ، وخيّرهم بين الأمور الثلاثة المذكورة ، فطلبوا منه المهلة ثلاثة ايام . فاجتمع رجالات الشيعة وأهل الحلّ والعقد ، يتذاكرون فيما بينهم حول كيفية التخلص من هذه المشكلة ، وبعد كذطارت طويلة ، اختاروا من صلحائهم عشرة رجال ، واختاروا من العشرة ثلاثة ، وتقرر أن يخرج في كل ليلة واحد من الصلاصة إلى الصحراء ، ويستغيث بالإمام المهدي عليه السلام للتخلص من هذه المحنة . فخرج أحدهم في الليلة الأولي ، فلم يتشرف بلقاء الإمام ولم ينحل المشكلة ، وهكذا حدث للثاني أيضا ، وفي الليلة الثالثة خرج الشيخ محمد بن عيسي الدمستاني [3] - وكان فاضلا تقيا – فخرج إلى الصحراء حافيا حاسر الرأس ، وقضى ساعات من الليل بالبكاء والتوسل والإستغاثة بالإمام المهدي عليه السلام لكي ينقذهم من هذه الورطة والبلاء . وفي الساعات الأخيرة من الليل ، حضر الإمام المهدي عليه السلام وخاطبه : يا محمد بن عيسي مالي أراك على هذه الحالة ؟ ولماذا خرجت إلى هذه البرية [4] فامتنع الرجل أن يذكر حاجته إلاّ للإمام المهدي عليه السلام . فقال له الإمام : أنا صاحب الأمر فاذكر حاجتك . قال محمد بن عيسى : إن كنت صاحب الأمر فأنت تعلم قصّتي ، ولا حاجة إلى البيان والشرح . فقال الإمام : نعم ، خرجت لما دهمكم من أمر الرّمانة ، وما كتب عليها [5] . فلما سمع محمد بن عيسي ذلك ، أقبل إلى الإمام ، وقال : نعم يا مولاي ، وتعلم ما أصابنا ، وأنت إمامنا وملاذنا ،والقادر على كشفه عنّا . فقال الإمام : إنّ الوزير – لعنه الله – في داره شجرة رمّان ، فلما حملت تلك الشجرة ، صنع الوزير شيئا ( اي – قالبا ) من الطين على شكل الرّ/انة ، وجعله نصفين ، ونحت في داخله تلك الكلمات المذكورة ، ثم جعل رمّانة من الشجرة في تلك القالب ، وشدّ القالب على الرمّانة ، فلما نبتت الرمانة وكبرت ، دخل قشرها في تلك الكتابة المنحوتة . قإذا مضيتم غذا إلى الوالي فقل له : جئتك بالجواب ، ولكنني لا أبديه إلاّ في دار الوزير ، فإذا مضيتم إلى داره ، فانظر عن يمينك ترى غرفة ، فقل للوالي : لا أجيبك إلاّ في تلك الغرفة ، وسيمتنع الوزير عن ذلك ، ولكن عليك بالإلحاح ، وحاول أن لا يدخل الوزير تلك الغرفة قبلك ، بل أدخل معه ، فإذا دخلت الغرفة رأيت كوّة فيها كيس أبيض ، فانهذ إليه وخذه ، فترى فيه تلك الطينة ( القالب ) التي عملها لهذه الحيلة ، وثم ضعها أمام الوزير ، ثم ضع الرّمانة فيها حتي ينكشف أنّ الرمانة على حجم القالب . ثم قال الإمام عليه السلام ، يا محمد بن عيسي : قل للوالي : أنّ لنا معجزة أخرى ، وهي أنّ هذه الرّمانة ليس فيها إلاّ الرماد والدخان فإن أردت صحة هذا الخبر فأمر الوزير بكسرها ، فإذا كسرها طار الرماد والدخان على وجهه ولحيته ! وانتهي اللقاء ، ورجع محمد بن عيسى وقد غمره الفرح والسرور ، وانصرف إلى الشيعة يبشرهم بحلّ المشكبة . وأصبح الصباح ومضوا إلى الوالي ، ونفذّ محمد بن عيسي كل ما أمره الإمام عليه السلام فسأله الوالي : من أخبرك بهذا ؟ قال : إمام زماننا ، وحجّة الله علينا ! فقال : ومن إمامكم ؟ فأخبره بالأئمة الإثني عشر واحد بعد واحد ، حتي انتهي إلى الإمام المهدي صاحب الزمان ( عجّل الله ظهوره ) . فقال الوالي : مدّ يدك فأنا أشهد أن لا إله إلاّ
الله ، وأنّ محمد بده ورسوله ، وأنّ الخليفة بعده بلا فصل : أمير المؤمنين علي
عليه السلام ثم أقرّ بالأئمة الطاهرين عليهم السلام ، وأمر بقتل الوزير ، واعتذر
إلى أهل البحرين [6]
. 2- قصّة ياقوت الدهّان :روي عن الشيخ الجليل العالم النبيل الشيخ علي الرشتي – زكان من أجلاء العلماء الأتقياء – قال : سافرت من مدينة كربلاء المقدسة إلى النجف الأشرف عن طريق ( طويريج) فركبنا السفينة ، وفيها جماعة كانزوا مشغولين باللهو واللعب وبعض الأعمال المنافية للوقار والأدب ،ورأيت رجلا معهم لا يشاركهم في أعمالهم ، بل يحافظ على وقاره وأخلاقه ، ولا يشترك معهم إلاّ عند تناول الطعام ، وكانوا يستهزؤون به ويخاطبونه بكلام لاذع ، وربما طعنوا في مذهبه ! . فسألته عن سبب غبتاده عنةتلك الجماعة وعد إشتراكه معهم في اللهو واللعب ؟ فقال : هؤلاء أقاربي ، وهم أهل السنة ، وأبي منهم ، ولكن والدتي من أهل الإيمان (أي : أنّها شيعية ) وكنت أنا أيضا على مذهبهم ، ولكن الله تعالى منّ عليّ بالتشيع ببركة الإمام الحجّة صاحب الزمان عليه السلام . فسألته عن سبب هدايته وتشرّفه بالتشيع ؟ فقال : غسمي : ياقوت ، وأنا دهّان في مدينة الحلّة . ثم بدأ يحكي لي قصّة هدايته فقال : خرجت في بعض السنين إلى البراري ، خارج الحلّة ، لشراء الدهن ، فاشتريت كمية من الدهن ورجعت مع جماعة ، ووصلنا ليلا إلى منزل – في الطريق – فبتنا فيه تلك الليلة ، فلما انتبهت من النوم ، رأيت أنّ الجماعة قد راحلوا جميعا ، فخرجت في أثرهم ، وكان الطريق في البرّ الأقفر ، وأرض ذات سباع ، فضللت عن الطريق ، وبقيت متحيرا خائفا من السباع والعطش . فجعلت استغيث بالخلفاء !! وأسألهم الإعانة، فلم يظهر منهم شيء! وكنت – فيما مضي – قد سمعت من أمي أنها قالت : إنّ لنا إماما حيّا ، يكني : أبا صالح ، وهو يرشد الضال ، ويغيث الملهوف ويعين الضعيف ، فعاهدت الله تعالى : إن أغاثني ذلك الإمام أن أدخل في دين أمي _ اي أعتنق مذهب التشيّع ) . فناديت : يا أبا صالح! وغذا برجل في جنبي وهو يمشي وقد نعمم بعمامة خضراء فدلني على الطريق ، وأمرني بالدخول في دين أمّي ، وقال : ستصل إلى قرية أهلها جميعا من الشيعة . فقلت له : ألا تتي معي إلى هذه القرية ؟ قال : لا .. لأنّه قد إستغاث بي – الآن- ألف إنسان في أطراف البلاد ، وأريد أن أغيثهم . ثم غاب عني ، فمشيت قليلا ، فوصلت إلى القرية وكانت تبعد عن ذلك المنزل – الذي نرلنا فيه ليلا – مسافة بعيدة ووصلت الجماعة إلى تلك القرية بعدي بيوم! ودخلت الحلّة ، وذهبت إلى دار السيد مهدي القزويني فذكرت له القصّة ، وتعلمت منه معالم الدين ... إلى آخر كلامه [7] . 3- قصّة إسماعيل بن الحسن الهرقلي :حكي عن شمس الدين بن إسماعيل الهرقلي أنّ أبه كان – في أيام شبابه – قد أصيب بقرحة على فخذه الأيسر يقال لها ( توثة ) وكانت تتشقق – في موسم الربيع – ويخرج منها دم وقيح . فخرج من قريته (هرقل) وقصد مدينة الحلة ، وشكي إلى السيد رضي الدين علي بن طاووس ، ما يجده من الألم ، فأحضر ابن طاووس الأطباء لمعاينته ، وبعد الفحص قال الأطباء : إنّ في إجراء العملية الجراحية على هذه القرحة خطر الموت ، وإنّ نسبة نجاح العملية ضئيلة جدا . فذهب إسماعيل الهرقلي مع السيد ابن طاووس إلى بغداد لمراجعة الأطباء الحاذقين . فكان الجواب نفس الجواب الأوّل . فتوجه إسماعيل إلى مدينة (سامراء) للتوسل بالإمام المهدي عليه السلام وطلب الشفاء منه ، وبعد ايام ذهب إى نهر دجلة ، واغتسل فيه ولبس ثوبا نظيفا، فالتقي به أربعة فرسان ، أحدهم بيده رمح وعليه فرجيّة . فتقدم إليه صاحب الفرجية ، ووقف أصحابه الثلاثة على جانبي الطريق ، وسلموا على إسماعيل، فسأله صاحب الفرجية : أنت غذا تروح إلى أهلك ؟ قال إسماعيل : نعم . فقال له : تقدم حتي ابصر ما يوجعك . فجعل يلمس جسم الهرقلي حتي أصابت يده القرحة فعصرها ثم استوي على سرج فرسه . فقال أحد الفرسان الثلاثة : أفلحت يا إسماعيل ! فتعجّب إسماعيل من معرفتهم إسمه ، ولكنه لم ينتبه إلى ما يجري عنده ، وقال أفلحنا وأفلحتم إنشاء الله . فقال له الرجل : هذا هو الإمام – أشار إلى صاحب الفرجية - . فتقدّم إسماعيل واحتضن رجله وقبّل فخذه ، فقال الإمام – بلطف ورأفة – إرجع . قال إسماعيل : لا أفارقك أبدا . فقال الإمام : المصلحة في رجوعك . فأعاد غسماعيل كلامه الأوّل . فقال أحدهم : يا إسماعيل ما تستحي ؟! يقول لك الإمام – مرتين - : غرجع . وتخالفه ؟! فتوقّف إسماعيل عند ذلك ، فقال له الإمام : إذا وصلت بغداد فلا بدّ أن يطلبك أبو جعفر – يعني الحاكم العباسي : المستنصر – فإذا حضرت عنده وأعطاك شيئا فلا تأخذه ، وقل لولدنا الرضي : ليكتب لك إلى علي بن عوض ، فإنّني أوصيه يعطيك الذي تريد . ثم تركه الإمام وأصحابه وواصلوا المسير، ومضي إسماعيل إلى مشهد الإمامين العسكريين فالتقي به بعض الناس فسألهم عن الفرسان الأربعة ؟ فقالوا : هم من الشرفاء أرباب الغنم . فقال لهم : بل هو الإمام . فقالوا : أريته المرض الذي فيك ؟ قال : هو قبضه بيده ، ثم كشف عن رجله فلم ير أثر لذلك المرض ، فتدالخله الشك في أن يكون القرحة في الرجل الأخري ، فكشف عن رجله الأخري فلم ير شيئا ، فتهافت الناس عليه ، يمزقون قميصه تبركا به . وجاءه رجل من قبل السلطة العباسية ، وسأله عن اسمه وتاريخ مغادرته بغداد؟ فأخبره بكل شيئ ، فكتب الرجل بالخبر إلى بغداد . وبعد يوم واحد خرج إسماعيل من مدينة سامراء متوجها إلى بغداد ، فلما وصل إليها رأي الناس مزدحمين على القنطرة – خارج المدينة- يسألون كل قادم عن اسمه ونسبه وأين كان ؟ فسألوه عن اسمه ، فأخبهم بكل شيء ، فاجتمعوا عليه يمزقزن ثيابه للتبرك ، ووصل إلى بغداد وقد كان أن يموت من كثرة الإزدحام . وخرج السيد ابن طاووس ومعه جماعة ، فالتقوا بإسماعيل وردوا الناس عنه ، فلما رآه السيد قال له : أعنك يقولون ؟ قال : نعم . فنزل عن دابته وكشف عن فخذ إسماعيل ، فلم ير أثرا من القرحة ، فغشي عليه ... ولما افاق اخذ بيد إسماعيل وأدخله على الوزير باكيا ، وقال : هذا أخي ,اقرب إلى قلبي . فسأله الوزير عن القصّة فحكي له ، فأحضر الوزير الأطبّاء – الذين عينوا القرحة قبل ذلك وقالوا ليس لها دواء إلاّ القطع بالحديد وفيه خطر الموت – فقال لهم : فبتقدير أن يقطع ولا يموت ... في كم تبرأ؟ . قالوا : في شهرين ، ويبقي مكانها حفيرة بيضاء لا ينبت فيها شعر! فسألهم الوزير : متي رأيتم القرحة ؟ قالوا: منذ عشرة ايان . دفكسف الوزير عن الفخذ التي في القرحة ، فلم يروا لها أثر ،فصاح أحد الأطباء : هذا عمل المسيح! فقال الوزير : حيث لم يكن هذا من عملكم ، فنحن نعرف من عملها . ثم إنّ الحاكم العباسي المستنصر أحضر إسماعيل وسأله عن القصة ؟ فقصّها عليه، فأمر له بألف دينار وقال له : خذ هذه وأنفقها . فقال إسماعيل : ما أجسر أن آخذ منه حبّة واحدة !!! فقال المستنصر – متعجبا – ممّن تخاف ؟! قال : من الذي فعل معي هذا ، فإنّه قال : لا تأخذ من المستنصر شيئا ! فبكي المستنصر وتكدّر ، وخرج إسماعيل من عنده ولم يأخذ منه شيئا . قال شمس الدين بن إسماعيل الهرقلي : رأيت فخذ أبي – بعد ما صلحت – ولا أثر فيها ، وقد نبت في موضعها الشعر [8] . 4- قصّة أبي راجح الحمّامي :روي الشيخ المجلسي عن الشيخ العابد المحقق شمس الدين محمد بن قلرون قال : كان في مدينة الحلّة يقال له : أبو راجح الحمامي ، وحاكم ناصبي اسمه مرجان الصغير ، وذات يو أخبروا الحاكم بأنّ أبا راجح يسبّ بعض الصحابة ! ، فأحضره وامره بضربه وتعذيبه ، فضربوه ضربا مهلكا على وجهه وجميع بدنه ، فسقطت أسنانه ، ثم أخرجوا لسانه وأدخلوا فيه إبرة عظيمة ، وثقبوا أنفه ، وجعلوا في الثقب خيطا وشدوا الخيط بحبل وجعلوا يدورون به في طرقات الحلّة ، والضرب يأخذه من جميع جوانبه ، حتي سقط على الأرض . فأمر الحاكم بقتله ، فقال الحاضرون : أنّه شيخ كبير ، وسوف يموت من شدّة الضرب وكثرة الجراحات ز فتركوه على الأرض ، وجاء أهله وحملوه إلى الدار ، وكان بحالة فظيعة لا يشك أحد أنّ الرجل سيفارق الحياة ، ممّا نزل به من التعذيب الوحشي . وأصبح الصباح ، وإذا الرجل قائم يصلي على أحسن حالة ، وقد عادت إليه أسنانه التي سقطت ، والتأمت جراحاته ، ولم يبق في بدنه أثر من ذلك التعذيب!!ة . فتعجب الناس من ذلك ، وسلوه عن واقع الأمر ؟ فأخبرهم أنّه إستغاث بالإمام المهدي ( عجّل الله ظهوره ) وتوسل إلى الله تعالى به ، فجاءه الإمام إلى داره ، فامتلأت الدار نورا . قال أبو راجح : فمسح الإمام بيده الشريفة على وجهي ، وقال لي أخرج وكدّ على عيالك ، فقد عافاك الله تعالى ، فأصبحت كما ترون . ورآه محمد بن قارون وقد عادت إليه نضارة الشباب ، وأحمرّ وجهه واعتدلت قامته . وشاع الخبر في الحلّة ، فامر الحاكم بإحضاره – كان قد رآه يوم أمس وقد تورم وجهه من الضرب – لما رآه صحيحا سليما ولا أثر للجراحات في جسمه ، خاف الحاكم خوفا شديدا ، وغيرّ سلوكه مع شيعة أهل البيت عليهم السلام ، وصار يحسن المعاملة معهم . وكان أبو راجح – بعد تشرفه بلقاء الإمام – كأنه ابن عشرين سنة ولم يزل كذلك حتي أدركته الوفاة [9] 5- قصّة المقدّس الأردبيلي :ذكر العلامة المجلسي – رحمه الله – أنّه سمع من جماعة أخبروه عن السيد الفاضل أمير علاّم قال : كنت في صحن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ، في ساعة متأخرة من الليل ، فرأيت رجلا مقبلا نحو الروضة المقدية ، فاقتربت منه فإذا هو العالم التقي مولانا أحمد الأردبيلي – قدس الله روحه- فاختفيت عنه ، فجاء إلى باب الروضة – وكان مغلقا – فانفتح له الباب ، ودخل الروضة ، فيمعته يتكلم كأنه يناجي أحدا ، ثم خرج وأغلق باب الروضة ، فتوجه نحو مسجد الكوفة وأنا خلفه أتبعه وهو لا يراني ، فدخل المسجد وقصد نحو المحراب الذي أستشهد فيه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام . ومكث هناك طويلا ، ثم رجع نحو النجف وكنت خلفه أيضا ، وفي أثناء الطريق غلبنيالسعال ، فيعلت ، فالتفت إلىّ وقال : أنت أمير علاّم ؟ قلت : نعم . قال : ما تصنع ها هنا ؟! قلت : كنت معك منذ دخولك الروضة المقدسة وغلى الآن ، وأقسم عليك بحقّ صاحب القبر أن تخبرني بما جري عليك من البداية إلى النهاية ؟ قال : أخبرك بشرط أن لا تخبر به أحد ما دمت حيا ، فوافقت على الشرط . فقال : كنت أتفكر في بعض المسائل الفقهية الغامضة ، فقررت أن أحضر عند مرقد الإمام أمير المؤمني عليه السلام لأسأله عنها ، فلما وصيت إلى باب الروضة انفتح لي الباي بغير مفتاح ، فدخلت الروضة وسألت الله تعالى أن يجيبني مولاي أمير المؤمنين عليه السلام عن تلك المسائل، فسمعت صوتا من القبر : أن ائت مسجد الكوفة ، وسل من القائم ، فإنه إمام زمانك . فأتيت المسجد عند المحراب ،وسألت الإمام المهدي عليه السلام عنها فأجابني عن ذلك ، وها أنا راجع إلى بيتي [10] . 6 - قصّة الشيخ محمد حسن النجفي :ذكر الشيخ النوري – في كتابه جنّة المأوي – عن بعض علماؤ النجف الأشرف : أنّه كان في النجف رجل من طلاب العلوم الدينية ، إسمه الشيخ محمد حسن سريرة ، وكان يعاني ثلاث مشاكل : 1- يقذف الدم من صدره . 2- يعيش في فقر شديد . 3- يحبّ الزواج من امرأة إمتنع أهلها أن يزوجوها إياه ، لفقره . فلما يئس من ذلك ، قرر الذهاب إلى مسجد الكوفة ، أربعين ليلة أربعاء ، لأنّه قد اشتهر بين المؤمنين أنّ من زاظب على زيارة مسجد الكوفة أربعين ليلة أربعاء ، فلا بدّ يري أنّ الإمام المهدي صاحب الزمان عليه السلام . فواظب الرجل على ذلك ، أملا في أن يتشرف بلقاء الإمام ، ويعرض عليه حوائجه الثلاث . فلما كانت ليلة الأخيرة – وكانت ليلة ظلماء باردة ذات ريح عاصفة – جلس الرجل على دكّة باب المسجد في الخارج – لأنّه لم يستطع اللبث في المسجد ، بسبب الدم الذي كان يقذفه من صدره عند السعال- وجعل يفكر في أنّه لم يوفق لزيارة الإمام المهدي عليه السلام بالرغم من أنّه في آخر أسبوع من الأسابيع الأربعين . كان الرجل متعودا على شرب القهوة ، فأشعل النار لصنع القهوة ،وإذا به يري رجلا قصده ، فانزعج من ذلك وقال في نفسه : إنّ هذا الأعرابي سيشرب القهوة كلها ، ولا يبقي لي شيء ! . يقول : فوصل الرجل وسلّم عليّ باسمي . فتعجبت من معرفته باسمي وجعلت أسأله : من أيّة طائفة أنت ، من طائفة فلان ؟ فيقول : لا ، حتي ذكرت اسماء طوائف متعددة ، وهو يقول : لا . لا . وأخيرا سألني : ما الذي جاء بك إىل هنا ؟ فقلت له : ولماذا تسأل عن ذلك ؟ فقال : وما يضرك لو أخبرتني به ؟! . فصببت له القهوة في الكأس المعروفة بـ ( الفنجان ) وقدمته له ، فشرب قليلا منه ، ثمّ ردّ الفنجان وقال لي : أنت إشربها . فأخذت الكأس منه وشربت ما تبقي من القهوة . ثم بدأت ببيان حوائجي فقلت له : أنا في غاية الفقر والحاجة ، ومصاب بقذف الدم منذ سنين ، وقد تعلق قلبي بامرأة ، وامتنع أهلها من تزويجها أياّي . وقد خدعني بعض رجال الدين إذ قالوا لي : أقصد – في حوائجك – الإمام صاحب الزمان عليه السلام ، واذهب إلى مسجد الكوفة أربعين ليلة أربعاء، فتقضي حوائجك ، وقد تحملت المشاق والمتعب في هذه الليالي ، وهذه هي الليلة الأخيرة ولم أر فيها أحدا . فقال لي – أنا غافل – أمّا صدرك فقد برأ ، وأما المرأة فستتزوّج بها قريبا ، وأما الفقر فلا يفارقك حتي الموت . ... ولما أصبح الصباح شعرت أنّ صدري قد برأ ، وبعد اسبوع تزوجت تلك المرأة ، وبقي الفقر على حاله [11] . 7- قصّة آية الله القزويني :ذطر الشيخ النوري – في كتاب جنّة المأوي – ثلاث قصص من تشرف العالم الجليل آية الله السيد مهدي القزويني ، بلقاء الإمام المهدي عليه السلام ، ونحن نذكر منها قصتين يرويها السيد ميرزا صالح نجل السيد المذكور عن رجل من صلحاء الحلّة إسمه علي : يقول : خرجت من داري قاصدا دارالسيد مهدي القزويني ، فمررت على مرقد السيد محمد المعروف بـ ( ذي الدمعة ) وهو ابن زيد بن علي بن الحسين عليه السلام ، وكان للمرقد شبّاك على الطريق ، فرأيت رجلا جليل القدر ، بهي المنظر ، واقفا عند الشبّاك يقرأ سورة الفاتحة على روح صاحب المرقد . فوقفت أنا وقرأت الفاتحة ، وبعد الفراغ سلّمت على ذلك الرجل ،فردّ عليّ السلاّم وقال لي : يا علي أنت ذاهب لزيارة السيد مهدي القزويني ؟ قلت : نعم . قال : لنذهب معا . وفي أثناء الطريق قال لي : يا علي لا تحزن على ما اصابك من الخسران وذهاب المال في هذه السنة ، فإنك رجل امتحنك الله بالمال فوجدك مؤديا للحق ، وقد قضيت ما فرض اله عليك ، وأمّا المال فإنّه عرض يأتي ويذهب . يقول علي : وكنت – في تلك السنة – قد أصبت بخسارة كبيرة في التجارة ، ولم يطلع عليها أحد ، ولكنني إغتممت كثيرا عندما رأيت أنّ هذا الرجل الغريب يعلم بخسارتي ، وظننت أنّ هذا الخبر قد انتشر بين الناس ، بحيث أنّ هذا الغريب إطلع عليه . فقلت له : الحمد لله على كل حال . فقال : إنذ ما ذهب من أموالك سوف يعود إليك بعد مدّة ، وتقضي ديونك ! ولما وصلنا إلى دار السيد المهدي ، وقفت وقلت له : أدخل يا مولاي فأنا من أهل الدار فقال : أدخل أنت ، أنا صاحب الدار! فامتنعت من أن أتقدم عليه ، فأخذني بيدي وأدخلني الدار ، وكان بجوار دار السيد مسجد له باب إلى دار السيد ، فدخلنا المسجد فوجدنا جماعة من طلبة العولم الدينية ينتظرون خروج السيد من داخل الدار للتدريس . فجلس الرجل في مكان السيد – الذي كان يجلس فيه كل يوم للتدريس ، وأخذ كتاب كان هناك – وهو كتاب شرائع الإسلام للمحقق الحلي – وفتحه ، فوقع نظره على أوراق كان السيد قد كتب فيها بعض المسائل وجعلها في الكتاب ، فجعل الرجل يتصفح تلك الأوراق ويقرأ تلك المسائل . ودخل السيد المهدي ، فرأي الرجل جالسا في مكانه ، فرحّب به ، وتنحي الرجل عن مكان السيد ، ولكن السيد أصر عليه أن يجلس في مكانه . يقول السيد مهدي – وهو يحكي لنا جانبا من القضية - : ( رأيته رجلا بهي المنظر ، وسيم الشكل ، فأقبلت عليه أسأله عن حاله ، وأستحييت أن أسأله عن اسمه ووطنه ) . وشرع الشيد بتدريس الفق، فجعل الرجل يناقشه في المسألة التي طرحها السيد على بساط البحث ! فقال أحد الطلبة المتطفلين – لذلك الرجل - : اسكت ! ما أنت وهذا ؟! فتبسم الرجل وسكت ! وبعد الفراغ من البحث سأله السيد : من أين مجيئك إلى الحلّة ؟ فقال : من بلدة السليمانية ؟. فقال : بالأمس خرجت منها .وقد دخلها ( نجيب باشا ) فاتحا . وقد ألقي القبض على المتمرد : أحمد باشا ( وكان أحمد باشا على الدولة العثمانية الحاكمة في العراق يومذاك ) . يقول السيد : فجعلت أتفكر في كلامه وأنّه كيف لم يصل خبر فتح السليمانية إلى حكّام الحلّة ؟! . ولم يخطر ببالي أن اسأله : كيف وصلت إلى الحلّة وبالأمس خرجت من السليمانية ؟! لأنّ المسافة تزيد على عشرة أيام . ( أي حوالي أربعمائة كيلو متر ) . ثم طلب الرجل ماء ليشرب ، فقام أحد الخدم ليأتيه بالماء من ( الحبّ ) فناداه الرجل : لا تفعل ، فإنّ في الحبّ حيوانا ميتا ، فنظر فيه الرجل ، ثم قام ليخرج فقام السيد وودّعه . فلما خرج الرجل قال السيد للحاضرين : لماذا لم تنكروا عليه خبر فتح السليمانية ؟! وهنا شرع الحاج علي – الذي إلتقي بالرجل عند مرقد ذي الدمعة – يحدّث الحاضرين بما سمعه من الرجل في أثناء الطريق . فقام الحاضرون – وقد أخذتهم الدهشة والحيرة – وخرجوا من الدار يبحثون عنه ، فما وجدوه فكأنه صعد إلى السماء أو غاب في الأرض ! فقال السيد لهم : هو – والله – صاحب الأمر ، روحي فداه . وبعد عشرة أيام جاء الخبر بفتح السليمانية .. إلى آخر القصّة [12] . 8- قصّة أخرى لآية الله القزويني :وهذه قصّة أخري لآية الله السيد مهدي القزويني ن يذكرها الشيخ النوري عن نجل السيد أنّه سمع ابه يقول : خرجت يوم الرابع عشر من شهر شعبان ، من مدينة الحلّة قاصدا كربلاء لزيارة الإمام الحسين عليه السلام ليلة النصف من شعبان ، فلما وصلت إلى نهر الهندية ( اي : طويريج) وجدت الزوّار متجمهرين هناك ، وقد وصلهم الخبر أنّ عشيرة عنيزة ( عشيرة بدوية ) قد نزلت على طريق كربلاء لسلب الزوّار ونهب أموالهم ! . فبينما المناس حياري ، وقد أمطرت السماء ، توسلت إلى الله تعالى بالنبي وآله الأطهار ، لإغاثة الزوّار ونجاتهم . فبينما أنا كذلك ، وإذا بفارس بيده رمح طويل ، وقف عندي وسلّم ، فرددنا عليه السلام ، فسماّني باسمي وقال : ليأت الزوّار ، فإنّ عشيرة عنيزة ، قد رحلوا عن الطريق ، وصار الطريق مأمونا . فخرجت مع الزوّار وهو يرافقنا في الطريق ويمشي أمامنا ، وكأنّه السد . وفي أثناء الطريق غاب عنّا فجأة وبغتة ، فقلت لمن معي : أبقي شك في أنّه صاحب الزمان ؟! فقالوا . لا واله . يقول السيد : إنني كنت أطيل النظر إليه ، كأني رايته قبل هذا اليوم ، فلما غاب عنّا تذكرت أنّه هو الشخص الذي زارني في الحلّة . أما عشيرة عنيزة فلم نر أحدا منهم ، و{اينا غبرة شديدة مرتفعة في البر، فوصلنا كربلاء خلال ساعة – وكانت المسافة ثلاث ساعات – فوجدنا الحراس على باب البلد ، فسألونا : من اين جئتم ؟ وكيف وصلتم ؟ واين صارت عشيرة عنيزة ؟! فقال أحد الفلاحين – المتواجدين هناك - : بينما عشيرة عنيزة جلوس فس خيامهم ، وإذا بفارس بيده رمح طويل ، فصاح في عشيرة عنيزة وأنذرهم بالدمتر والهلاك ، فألقي الله الخوف في قلوبهم ، وتركوا المنطقة فورا . يقول السيد : فسألت الفلاح عن وصف ذلك الفارس ؟ فوصفه لي ، فإذا هو نفسه الذي رايته عند نهر الهندية [13] . 9- قصّة أحمد العسكري :ذكر البحاثة المعصرة العلامة الشيخ لطف الله الصافي – صاحب التأليف القيّمة، قصة سمعها في سنة 1398هـ . من الحاج أحمد العسكري وهو من ألخبار الساكنين في طهران – إريران – والقصة تتعلق ببناؤ مسجد يقع عللا طريق قم – طهران ، وهو الآن على مدخل مدينة قم المقدسة ويسمي : مسجد الإمام الحسن المجتبي عليه السلام . يقول أحمد العسكري : قبل سبع عشرة سنة ، وفي يوم خميس ، جاءني ثلاثة من الشباب – وكانت حرفتهم تصليح السيارات – وقالوا لي : اليوم يوم الخميس ، ونريد أن نذهب إلى مدينة قم ، إلى مسجد جمكران [14] للتوسل إلى الله تعالى بالإمامالمهدي صاحب الزمان عليه السلام لقضاء بعض الحوائج الشرعية ، ونحبّ أن ترافقنا في هذه الرحلة . فوافقت على ذلك ، وركبنا السيارة واتجهنا نحو مدينة قم ، وبالقرب من المدينة حصل خلل في السيارة فتوقفت عن السير ، واشتغل الشباب بتصليحها ، فانتهزت الفرصة وأخذت قليلا من الماء وابتعت عنهم لقضاء الحاجة . فرأيت – هناك – سيدّا جميل الوجه ، أبيض اللون ، ازّج الحاجبين ، أبيض الثنايا ، وعلى خدّه خال ، وعليه ثياب بيضاء وعباءة رقيقة ، وفي رجليه نعلان صفراوان ، وقد تعمّم بعمامة خضراء ، وبيده رمح يخطّ به الأرض . فقلت في نفسي : إنّ هذا السيد قد جاء – في هذا الصباح الباكر – إلى هذا المكان ، وعلى جانب الطريق ويخطّ الأرض بالرمح ! هذا غير صحيح لأنّ الطريق عام يمرّ فيه السوّاح الأجانب . كان أحمد العسكري يحكي قصّته هذه ، وهويظهر الندم على ما صدر منه تجاه صاحب الرمح ، من سوء الظن وسوء الأدب . يقول : فتقدمت إليه وقلت له : هذا العصر عصر الدّابات والمدافع والذّرة وأنت تأخذ بيدك الرمح ؟! إذهب وأدرس العلوم الدينية – وإنّما قال له ذلك لأنّ الرجل كان بزي رجال الدين - . ثم تركته ... واتجهت نحو موضع بعيد ، وهناك جلست لقضاء الحاجة ... فناداني باسمي وقال : لا تجلس فس هذا المكان لقضاء الحاجة ، لأني قد خطّطت هذا المكان لبناء المسجد . فغفلت عن معرفته باسمي ولم أتمالك أن قلت : على عيني . وقمت فورا. فقال لي : اذهب وراء تلك الربوة لقضاء الحاجة ، فذهب هناك ، وتبادرت إلى ذهني بعض الأسئلة حول هذا الموضوع ، وقررت أن أطرحها على ذلك السيد ، وأقول له : لمن تبني هذا المسجد؟! – لأنّ المنطقة كانت بعيدة عن المدينة وفي صحراء قاحلة - . وبعد ذلك ... ألول له : إنّ المسجد لم يشيد بعد ، فلماذا منعتني عن قضاء الحاجة في هذا المكان ؟ - لأنّ المسجد يحرم تنجيسه إذا وفقت الأرض للمسجد ، أمّ قبل كل شيء فلا يجري عليه هذا الحكم - . فلما فرغت من قضاء الحاجة ... قصدت السيد وسلمت عليه ، فركزّ رمحه في الأرض ، ورحبّ بي وقال : أعرض علي الأسئلة التي نويت أن تسألني عنها ؟! . فلم أنتبه إلى أنّه يخبر عمّا في قلبي ممّا لم أتفوّه به ، وأنّ هذا ليس أمرا عاديا ، بل هو خارق للعادة . وعلى كل حال ...قلت له يا سيد ... تركت الدراسة ، وجئت إلى هذا المكان ، وكأنك لا تتفكّر بأننا في عصر الصاروح والمدفع .. فما قيمة الرمح ؟. وجرى بيني وبينه حوار .. ثم قال لي – وقد نظره إلى الأرض - : أخططّ للمسجد . قلت : للجنّ أم الملائكة ؟! . قال : للبشر . واضاف : سوف تعمر هذه المنطقة بالسكان . قلت له : أخبرني : حينما أردت قضاء الحاجة قلت لي : ( هنا مسجد ) مع العلم أنّ امسجد لم يشيّد بعد ؟ فقال : إنّ سيّدا من ذرية فاطمة الزهراء عليها السلام قد قتل في هذا المكان واستشهد ، وسف يكون مصرعه محرابا ، لأنّ عليه أريق دم ذلك الشهيد . ثم اشار إلى جانب من الأرض وقال : في ذلك المكان تبني المرافق الصحية ، لأنّ أعداء الله وأعداء رسوله قد صرحوا في ذلك المكان . ثم إلتفت خلفه وقال : في هذا الموضع تبني الحسينية ، وجرت دموعه على خدّيه ، حين تذكّر الإمام الحسين الشهيد عليه السلام فبكيت لبكائه . ثم قال : وخلف هذا المكان تبني مكتبة ،وأنت تهدي إليها الكتب . قلت : أوفق . ولكن بثلاثة شروط : 1- أن أعيش إلى زمان تشيد المكتبة . فقال : إن شاء الله . 2- ,ان يبني المسجد هنا . فقال : بارك الله . 3- وأن أهدي إلى المكتبة بقدر استطاعتي ، ولو كتابا واحدا ، امتثالا لأمرك يا بن رسول الله . فضمني إلى صدره .. قلت له : من الذي يبني هذا المسجد ؟ قال : ( يد الله فوق أيدهم ) . قلت : أنا أعلم أن يد الله فوق أيديهم . فقال : سوف تري المسجد حينما يتم بناؤه ، وابلغ سلامي إلى المتبرع لبناء المسجد . ثم قال لي : وفّقك الله للخير . فتركت السيد ، واتّجهت نحو السيارة التي كانت واقفة على جانب الشارع ، وقد تمّ لإصلاحها ، فسألني الإخوة : مع من كنت تتكلم تحت حرارة الشمس ؟ . قلت : أما رايتم ذلك السيد مع الرمح الطويل .. كنت أكلمه؟ قالوا : واي سيدّ ؟ فنظرت خلفي .. ها هنا وهناك ..فلم ار أحد ، بالرغم من أنّ الأرض كانت منبسطة لا توجد فيها ارتفاعات وانخفاضات ! فاستولت عليّ حالة ذهول ودهشة ، وركبت السيارة وأنا في حالة لا استطيع وصفها ! ... كان الأصدقتء يتكلمةن معي ولا استطيع أن أجيبهم .. ولا أعرف كيف صلّيت الظهر والعصر !! وأخيرأ...وصلنا إلى مسجد جمكران وأنا متشتت الفكر ، وجلست أبكي في المسجد وكان عن يميني شيخ وعن شمالي شاب ، ثم صلّيت الصلاة التي تصلي في هذا المسجد ، وأردت أن أسجد بعد الصلاة ، فرأيت سيدا تفوح منه رائحة طيبة فقال لي : آقاي عسكري ...سلام عليكم . وجلس عندي – وكان صوته يشبه صوت ذلك السيد الذي رأيته في الصباح – ونصحني نصيحة . فسجدت وقرأت ما ينبغي قراءته في السجود ، ثم رفعت رأسي فلم أره ، فسألت عنه من الذي عن يميني وشمالي ..فقالا : لم نر أحدا . فكأنّ الأرض ارتجفت تحتي ..وفقدت الوعي ، فجأة أصدقائي وتعجبوا ممّا جري عليّ ، وؤشوا على وجهي الماء . ورجعنا إلى طهران ، فحدّثت أحد العلماء بما جري . فقال : إنّه هو الإمام المهدي ، فاصبر حتي ننظر هل يبني المسجد! . وانقضت سنوات وجئت إلى قم – في إحدي المناسابات – فلما وصلت إلى تلك المنطقة رأيت الأعمدة مرتفعة في ذلك المكان ، فسألت عن القائم ببناء المسجد؟ فقيل لي : رجل اسمه : الحاج يد الله رجبيان ، فلما سمعت هذا الإسم انهارت أعصابي وغمر العرق جسمي ولم أستطع الوقوف على قدمي، فجلست على الكرسي وعرفت معني كلام الإمام عليه السلام حين سألته : من الذي يبني المسجد؟ فقال يد الله فوق أيديهم . فذهبت إلى طهران واشتريت أربعمائة كتاب ، وأقفتها لتك المكتبة ، وإلتقيت بالحاج يد الله رجبيان .. إلى آخر القصة ، وقج ترجمناها إلى اللغة العربية وذكرناها بصورة ملخصة مع حذف الزوائد . 10- قصّة الحاج علي البغدادي :ذكر الشيخ النوري في كتابه ( النجم الثاقب ) أنّ رجلا من أهل بغداد ، إسمه الحاج علي البغدادي ، وكان من الصالحين الأخيار ، وقد فاز بلقاء الإمام المهدي المنتظر عليه السلام ، وإليك خلاصة قصة تشرفه بلقاء الإمام : كان الحاج علي يسافؤ – بصوؤة دائمة – من بغداد إلى مدينة الكاظمية – التي تقع في ضاحية بغداد – وذلك لزيارة الإمامين الكاظم والجواد عليهما السلام . يقول الحاج علي : كان قد وجب عليّ شيء من الخمس والحقوق الشرعية ، فسافرت إلى مدينة النجف الأشرف ، ودفعت عشرين تومانا [15] منها إلى العالم الزاهد الفقيه الشيخ مرتضي الأنصاري وعشرين تومانا إلى المجتمهد الفقيه الشيخ محمد حسين الكاظمي ، وعشرين تومانا منها إلى الشيخ محمد حسن الشروقي ، وبقيت عندي عشرون منها ، قررت أن أدفعها – عند رجوعي إلى بغداد – إلى الفقيه الشيخ محمد حسن آل ياسين . وعدت إلى بغدا في يوم الخميس ، فنوجهت – أوّلا – إلى مدينة الكاظمية ، وزرت الإمامين الكاظم والجواد عليهما السلام ، ثم ذهبت إلى دار الشيخ آل ياسين ، وقدمت له جزءا مما بقي علي من الخمس ، كي يصرفه في موارده المقررة في الفقه الإسلامي ، واستأذنت منه على أن أدفع باقي المبلغ بصورة تدريجية ... إليه أو إلى من أراه ميتحقا لذلك ، ثم أصرّ الشيخ بأن أبقي عنده ، فلم أجبه إلى ذلك ، معتذرا بأنّ عليّ الأشغال الضرورية ، وودّعنه وتوجهت نحو بغداد ، فلما قطعت ثلث الطريق إلقيت بسيد جليل القدر ، عظيم الشأن ، عليه الهيبة والوقار ، وقد تعمم بعمامة خضراء ، وعلى خدّه خال أسود ، وكان قاصدا مدينة الكاظيمة للزيارة ، فاقترب منّي وسلّم عليّ ، وصافحني وعانقني بحرارة وضمني إلى صدره ورحّب بي وسألني : على خير .. إلى أين تذهب؟ قلت : لقد زرت الإمامين الكاظمين ،والآن أنا عائد إلى بغداد . فقال : عد إلى الكاظمين فهذه ليلة الجمعة . قلت : لا يسعني ذلك . فقال : إنّ ذلك في وسعك ، ارجع كي أشهد لك بأنك من الموالين لجدّي أمير المؤمنين عليه السلام ولنا ، ويشهد لك الشيخ ، فقد قال تعالى : ( واستشهدوا شهيدين ) . وكنت قد طابت من الشيخ آل ياسين أن يدفع إلى وثيقة يشهد لي فيها بأنني من الموالين لأهل البيت عليهم السلام ، كي أجعلا في كفني . فسألت السيد : من أين عرفتني ... وكيف تشهد لي ؟. فقال : كيف لا يعرف المرء من وافه حقّه ! قلت : وايّ حق هذا الذي تقصده ؟ فقال : الحق الذي قدّمته لوكيلي . قلت : ومن هو ؟ قال : الشيخ محمد حسن . قلت : أهو وكيلك ؟ قال : نعم . فتعجّبت من كلامه ... واحتملت أن تكون بيننا صداقة سابقة لا أتذكرها ، لأنّه ناداني باسمي في أول اللقاء ، كما أنني احتملت أن يكون متوقعا مني لأنّ أدفع إليه شيئا من الخمس – باعتباره من زرية رسول الله - . فقلت له : سيدنا ... لقد بقي في ذمتي شيء من حقكم – حق السادة – وقد استأذنت الشيخ محمد حسن أن أدفعه إلى من أحبّ . فتبسم وقال : نعم ... لقد دفعت شيئا – من حقنا – إلى وكلائنا في النجف الأشرف . فقلت : هل حظي هذا العمل بالقبول ؟ قال : نعم . ثم انتبهت إلى أنّ هذا السيد يعبر عن أعاظم العالماء بكلمة ( وكلائي ) فاستعظمت ذلك ، لكن عادت إلي الغفلة مرة أخري . ثم قال لي : عد إلى زيارة جدي . فوافقت فورا وتوجهنا معا نحو مدينة الكاظمية ، وكانت يدي اليسري في يده اليمني . وسنا نتجاذب أطراف الحديث ، وكنت أسأله عن مسائل مختلفة ويجيبني عليها ، وكان مما سألته : سيدنا .. إنّ خطباء المنبر الحسيني يقولون : إنّ سليمان الأعمش تذاكر مع رجل حول زيارة سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام فقال له الرجل : إنّ زيارة الحسن بدعة ، وكل بدعة ضلالة – وكل ضلالة في النار ، ثم رأي ذلك الرجل – في المنام – أنّ هودجا بين السماء والأرض ، فسأل عن الهودج فقيل له : إنّ فيه السيدة فاطمة الزهراء وخديجة الكبري ، فسألت أيت تذهبان؟ فقيل له : إنّ زيارة الحسين في هذه الليلة – وهي ليلة الجمعة - ، وشاهد رقاعا – جمع رقعة – تتساقط إلى الأرض ليلة الجمعة ، أمان من النار إلى يوم القيامة ... فهل صحيح هذا الحديث ؟ فقال : نعم .. تام صحيح . قلت : سيدنا .. هل صحيح ما يقال أنّ من زار الإمام الحسين عليه السلام ليلة الجمعة كان آمنا ؟ فقال : نعم .. ودمعت عيناه وبكي . فلم تمض علينا إلاّ فترة قصيرة من الوقت .. وإذا بي أري نفسي في روضة الإمامين الكاظمين عليهما السلام من دون أن نمر بالشوارع والطرق المؤدية إلى الروضة الشريفة . ووقفنا على مدخل الحرم الشريف ..فقال لي : زر . قلت : لآ أحسن القراءة . قال هل أقرأ الزيارة وتقرأ معي ؟ قلت : نعم . فشرع في الزيارة . وجعل يسلم على رسول الله والأئمة الطاهرين عليهم السلام واحدا بعد واحد .. حتي بلغ إلى الإمام العسكري .. ثم خاطبني قائلا : هل تعرف إمام عصرك ؟ فقلت : وكيف لا أعرفه ؟ قال : فسلم عليه ، فقلت : السلام عليك يا حجّ’ الله يا صاحب الزمان يا بن الحسن ، فتبسم وقال : عليك السلام ورحمة الله وبركاته . ثم دخلنا الحرم الشريف ، وقبّلنا الضريح المقدس ، فقال لي : زر ، قلت : لا أحسن القراءة قال : هل أقرأ لك الزيارة ؟ فقلت : نعم . فشرع بالزيارة المعروفة بـ ( أمين الله ) وبعد إنتهاء الزيارة ، قال لي هل تزور جدّي الحسين ؟ قلت : نعم ، فهذه ليلة الجمعة ، فزاره الزيارة المعروفة بزيارة الوارث ، وحان وقت صلاة المغرب ، فأمرني بالصلاة ، وقال لي : إلتحق بصلاة الجماعة . فوقفت للصلاة وبعد الفراغ من الصلاة غاب عني ذلك السيد ، فخرجت ابحث عنه فلم أجده . فانتبهت من غفلتي وتذكرت أنّ السيد ناداني باسمي ، ودعاني إلى العودة إلى الكاظمية مع العلم أنني امتنعت عن ذلك ، وكان يعبر عن الفقهاء بـ ( وكلائي ) ثم غاب عني فجأة ، فعلمت أنه صاحب الزمان الإمام المهدي عليه السلام [16] أقول : إنّ قصص الذين تشرفوا بلقاء الإمام المهدي عليه السلام كثيرة جدّا، وقد انتخبنا من مجموعها هذا العدد اليسير ، وكل قصّة منها تدل على مواضيع مهمّة وفوائد جمّة ، وقد حدثت هذه الحوادث في خلال قرون عديدة ، من أوائل الغبية الكبري إلى زماننا هذا . ففي سامراء يلتقي الإمام المهدي عليه السلام بإسماعيل الهرقلي ويبرأ قرحته ، ويخبره أنّ المستنصر العباسي سوف يدفع إليه شيئا من المال ، وينهاه عن أخذه منه . وفي النجف الأشرف يلتقي عليه السلام بالرجل المسلول ويشرب القهوة ويدفع سؤره إليه ، فيبرأ من السلّ المزمن ، ويتزوج تلك المرأة ، بعد أن كان أهلها يمتنعون عن ذلك . وفي البحرين يلتقي عليه السلام بمحمد بن عيسي ، ويخبره عن قصة الرّمانة ، والحيلة التي استعملها الوزير ، ويخبر عن مكان القالب الذي صنعه الوزير . وفي طريق كربلاء المقدسة يحضر عليه السلام عند عشيرة عنيزة ، ويصح فيهم تلك الصيحة ، فيلقي الله الرعب في قلوبهم ، ويرحلون عن ذلك المكان خائبين خائفين ، ويفتح الطريق لزوّار قبر الإمام الحسين عليه السلام . وفي مدينة الحّة يخبر عليه السلام الحاج علي بالخسارة التي حلّت به ، ويبشره بتبدل الأحوال وتحسن حالته الإقتصادية . وفي الحلّة أيضا يحضر عليه السلام في دار العالم الجليل السيد مهدي القزويني ، ويخبره أنه خرج من السليمانية أمس – وهي على الحدود العراقية التركية ، وفي أقصى نقاط شمال العراق – ويخبره بالفتح والإنتصار ، ثم يغيب عنهم فلا يرونه ، ويصل الخبر إلى حكّام الحلّة بعد عشرة أيام . ويحضر في مجالس الشيعة التي تنعقد لإحياء ذكريات الأئمة الطاهرين عليهم السلام أجمعين . فانظر كيف يثبت عليه السلام وجوده لشيعته ، وكيف يسعفهم ويغيثهم ويدفع عنهم الأعداء ، ويخبرهم عن المؤامرات والمكائد والمخططات التي يرسمها الأعداء لإيذاء الشيعة ، ثم يغيب عنهم فجأة لتكون غيبته دليلا على أنّ÷ هو الإمام لا غير . وفي هذا المجال يتضح لك – أيها القارئ الكريم – ما كتبه عليه السلام إلى الشيخ المفيد ، من قوله : ( فإنّا نحيط علما بأبنائكم ، ولا يعزب عنّا شيء من أخباركم ) وقوله : ( لأنّ غير مهملين لمراعاتكم ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزل بكم الأواء واصطلمكم الأعداء ) وقوله : ( ولو أنّ أشياعنا – وفقهم الله لطاعته – على إجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم لما تأخر عنهم اليمن بلقائنا ، ولتعجلت لهم السعادة بمشاهدتنا ) .
[1] بحار الأنوار ج52 ص 1 -77 ، طيع
طهران سنة 1393هـ |