![]() |
|
|
|
أثر الإنتظار في بناء المجتمع الإسلاميفي هذه المقالة نتحدث عن فوائد الإنتظار في بناء المجتمع الإسلامي من جهات مختلفة ، ونجيب عن أسئلة الذين لا يعتبرون لوجود الإمام في عصر الغيبة فائدة وثمرة ، وأنّه وجود شخصي . على أمل أن نتعرف بمطابعة هذه المقالة فوائد وجود الإمام خلف ستار الغيبة . 1- ماضي البحث وتاريخه :منذ غياب الإمام القئم عليه السلام عن الأعين وبدء حياته خلف ستار الغيبة ، كانت أسئلة كثيرة تدور بين المتطلعين إلى مسائل الغيبة . وكثير من هذه الأسئلة ذكرت في المؤلفات المرتبطة بإمام العصر في القرن الرابع والخامس ، وأجاب عنها العلماء أجوبة مناسبة . الصدوق أحد محدثي الشيعة العظام الذي توفي 305لهجري ، تحدث في كتابه ( كمال الدين ) عن المسائل المرتبطة بالغيبة . وهناك محدث آخر هو (لنعماني ) الذي عاش في القرن الخامس الهجري تحدث أيضا عن غيبة الإمام (عج) ،وهكذا أستاذ الشيعة المرحوم ( الشيخ الطوسي ) المتولد عام 385 للهجري والمتوفي عام 460 حقق بشأن هذه المسائل في كتبه ، فليس هذه الأسئلة حول المهدي عليه السلام جديدة ومستحدثة بل مرّ عليها ألف عام أو أكثر ، وطبعا ليست الأجوبة جديدة أيضا ، بل لها عمر طويل كتلك الأسئلة ، وكل ما في الأمر هو أن الأجوبة اتخذت شكلا خاصا على طول الزمن وواكبت مقتضيات كل عصر . شرح السؤال :من الأسئلة الشائعة حول إمام العصر (عج) السؤال عن فائدة وجوده الإمام الغائب . وكلنا نعلم أن الأثر البارز لوجود الإمام هو الهداية والإمامة ، والسؤال الذي يطرح نفسه هو : كيف يمكن اللإمام الغائب عن الأنظار أن يهدي ، وبعبارة أخرى بالنظر إلى أنّ القرآن يعتبر الهداية من خصوصيات الإمام ويقول : ( وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا ) – سورة الأنبياء : الآية 73- كيف ننتظر أداء هكذا تكليف ثقيل من الإمام الغائب : إنّ الإمام (عج) هو القائد والزعيم والإمام . ووجود القائد لا يكون مفيدا إلاّ أن يكون متصلا بشكل مستمر بأصحابه . فكيف يمكن للإمام الغائب عن الأنظار أن يؤدي دوره القادي ؟ وبعبارة أخرى : إن حياة الإمام (عج) في زمن الغيبة هي حياة خاصة وليس حياة اجتماعية وفي موقع الزعيم والقائد، ومع هذا يجوز لنا أن نسأل ما هو الأثر العام لهذا الإمام المدّخر للناس ؟ وما هي الفائدة التي يجنيها الناس من وجوده ؟ فهو كنبع ماء الحياة الزلال الموجود في الأعمال حيث لا أحد يصل إليه . إضافة إلى ذلك هل مفهوم الإم (عج) هو أن وجوده تبدل إلى روح لا مرئية أو مواج خفية أو أشعة وأمثالا ، وهل هذا يوافق العلم ؟ إنّ هذا السؤال مهم بلا شك ، ومن الخطأ أن نظن أنه يبقي بلا جواب ، ولكن دعونا نجيب أولا عن الجملة الأولي الخيالي ويخالف الوجود العيني ، بل إنّ له حياة طبيعية وعينية ووجودا خارجيا ، إلاّ أنّه يعيش مع الناس وفي المجتمعات وفي مناطق مختلفة ، وإن كان في حياته استثناء فهو عمره طويل فقط . إنّه يعش في المجتمع البشري بشكل خفي ، ولم يدّع أحد بشأن غيبته غير هذا وفرق كبير بين المجهول واللاّمرئي . والآن وبعد أن ارتفع هذا الإشكال ، نقول : إنّ حياة مهذه يمكن ثبوتها للفرد العادي ، ولكن هل يمكن ثبوتها لقائد إلهي عظيم ؟ سوف نبحث هذا الأمر من جهاته المذكورة آنفا ، ضمن النقاط التالية . 1- فائدة الإعتقاد بوجود الإمام المجهول على المستوي الإجتماعي 2- فوائد إمام العصر للأمة الإسلامية . 3- حجج الله الخفية من وجهة نظر القرآن ونهج البلاغة . 1- وجود الإمام والقائد سبب في بقاء المذهب :أثبتت التحليلات العقلية والإجتماعية أن للإعتقاد بوجود إمام كهذا لطول مدّة غيبته أثر عميق في المجتمع الشيعي ، وذلك أن لكل مجتمع مؤسسات ، يحتاج في بقائها واستمرارها وتحقيق هدفها إلى رئيس وقائد . وكلما كان هذا الرئيس في قلب المجتمع ، كان تدخله في قيادة الأمة وإدارة شؤزنها لازم زضرزري . ولكن لو كان هذا القائد لأسباب محبوسا أو مبعدا أو مريضا ، فإنّ وجوده كاف لمواصلة أتباعه طلايقهم ، لأنّهم بأمل وجود ذلك القائد يتعاونون ويتحدون ويواصبون نشاطهم . على طول التاريخ ، وبين الأمم الحيّة التي لها نهضات وثورات ، نجد مصاديق كثيرة لهذا الأمر ، تبيّن أن القادئ ما دام حيا ، فإنه وإن لم يوفق للقيادة مباشرة ، لكن أتباعه والمنظمات التابعة له كانت تواصل أعمالها . وما إن تنتهي حياته ، حتي تشيع التفرقة بين الناس وتشتت القوي وأفضل مصداق لكون وجود القائد حافظا للمذهب وسببا لتشكيل التباع والأصحاب ، هو معركة أحد ، فقد أشبع في تلك المعركة بين الجند نداء ( ألا قد قتل محمد ) أشتباها أو عن عمد . شاع هذا الخبر بين المسلمين في الوقت الذي كانوا يردّون هجوم العدو ، وعندما تيقن المسلمون من قتل القائد ، فرّ كل منهم إلى جهة وتركوا القتال . وفكر البعض بالإلتحاق بالعدوّ . لكن عندما كذّب خبر قتل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعلم المسلمون ببقائد حيا ، ورآه البعض بعينه ، اجتمع الجيش المتفرقة مرة أخري ، من أطراف جبل أحد ومن مختلف الصخور حول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وشرعوا بالحرب والدفاع مرة أخري ، وقد بين الله تعالى هذه الحقيقة في القرآن بقوله : ( وما محمد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين ) . سورة آل عمران الآية 144 . وإنّ الجيش يسعي دائما لأن يكون رايته مرفوعة في ساحة الحرب أمام العدو ، بينما يسعي العدو دائما للإطاحة براية أعدائه ، لأنّ ثبات الراية وارتفاع العلم سبب في أمل الجنود وسعيهم الحثيث وقتالهم المستمر . وهكذا وجود القائد للجيش في مقر القيادة ، مهما يكون صامتا في الظاهر ، فإنه يحرك في عروق الجند الدم الماتهب ويحرضهم على مواصلة القتال ، ولشعورهم بأنّ قائدهم حيّ ورايتهم خفاقة ، وما إنيشيع خبر قتل القائد بين الجيش حتي يتلاشي الجيش العظيم فجأة ، وكأن ماء باردا أصبّ على رؤوسهم أو غادرت الروح أجسادهم . وما دام رئيس جمعية أو دولة فإنه يكون مبعثا لحياتها ونظامها وحركتها ، وإن كان في السفر أو على فراش المرض ، لكن سماع خبر موته ينشر على رؤوس الجميع غبار اليأس وفقدان الأمل . وإنّ مجتمع الشيعة طبقا لإعتقادهم بوجود الإمام الحي ( رغم أنهم لا يرونه ) يجعلهم لا يحسون بالوحدة . إنّ المجتمع الشيعي ينتظر دائما عودة ذلك المسافر الذي يحمل معه قوافل القلوب ، وإنّ انتظاره البنّاء المؤثر يزيد من احتمال ظهوره كل يوم . وإنّ أثر هذا التفكير الروحي في إحياء الأمل في القلوب وتحريص الأفراد على التزكية والإصلاح والإستعداد لتلك الثورة الكبيرة ، يمكن إدراكه جيدا وإن لم يكن لهذا القائد وجود خارجي ، لم ينتظر محبوا مذهبه ورسالته ولادته في المستقبل ، فإن الأمر يختلف كثيرا . ولو أضفنا لهذا الموضوع أمر آخر سيتخذ الجواب شكلا جديدا وهو : طبقا لإعتقاد الشيعة العام الذي جاء في روايات كثيرة تضمنتها المصادر الدينية فإنّ الإمام يراقب أحوال وأوضاع شيعته بشكل مستمر في زمن الغيبة ، ويطلع على أعمالهم بإلهام من الله تعالى ، وتعبير الروايات تقدم له كل أسبوع صحيفة أعمالهم فيطلع على أعمالهم وأقوالهم [1] . إنّ هذا التفكير يكون سببا في أن يراقب كل المعتقدين به أعمالهم دائما ، ويذكرونه عند قيامهم بأي عمل ، ولا ينكر الأثر التربوي لهذا التفكير . لنويع البحث : والآن لنطرح هذا السؤال حول إمام العصر : ألا يؤثر الإعتقاد بوجود الإمام الحيّ والحاضر والناظر والمستعد للنهضة متي شاء ، والقائد الحقيقي للأمة الإسلامية ، في حفظ وحدة الأمة ومنظماتها ، وبالأخص إعداد الأفراد للثورة على الظلم والجور ، والإستبداد والتفرقة والإنحراف ؟ كلما اعتقدت أمة بحياة قائدها وانتظارها لأمر الله بالظهور ، فإنها لن يصيبها اليأس ، ولن تفقد وحدة كلمتها ، بل تسعي لحفظ مذهبها ودينها وتربي القوي لتحقيق هدفها . ولكن لو قيل لهذه الأمة : لا قائد لكم ، وإن قائدكم سيولد مستقبلا ، ولا يعلم وقت ولادته ، بل إتّ أجداده لم يولدوا بعد ، فهل توجد في أمة كهذه روح الإنتظار البنّاءة والمحركة ، وهل توجد فيها القوة اللاّزمة لذلك ؟ وهل تتأثر أنظمتهم المادية والمعنوية بهذه العقيدة ، أم أنّ هذا الأمر ينتهي بتشتت الأفراد وتفرقهم وهلاك الدين ؟ ونقول لنوضح جيدا موقع الإمام عليه السلام الغائب وأثره في المجتمع وفي أذهان أتباعه والمعتقدين به : إنّ الإيمان بالنصر النهائي وانتظار المصلح العالمي ، لو وصل إلى مرحلة المعرفة ،و العلم البنّاء سيكون مصدرا للحركات والثورات والنهضات . إن قائد حركة العدالة حتي وإن لم يكن بين أصحابه ، فإنه مصدر لتلاحم صفوف أتباعه والمعتقدين بنهضته ، كما نري في نهضة الإستقلال الهندية مع أنّ ( غاندي ) وضع في السجن من قبل الدولة المستعمرة ، لكن حركة ( عدم التعاون ) مع الدولة الإستعمارية تستمر بنشاطها ، وإنّ أفراد شعب الهند مع أنهم لم يروا غاندي بينهم ، لكنهم واصلوا النهضة وتابعوا ، لأنّ غاندي كان لا يزال حيا ، وكانت قدرته المعنوية توحدّ شعب الهند . وكانت حرب إسبانيا الداخلية ( قبل الحرب العالمية الثانية ) تتواصل في كل الجبهات ما دام قوّاد مريدي الجمهورية في سجن ( فرانكوا) ولكن عندما أعدم عدد منهم ظهر الإنكسار في جيش روّاد الجمهورية . وفي الحرب العالمية الثانية ، عند محاضرة مدينة ( ليننغراد) بواسطة الجيش النازي ، اشتد البرد والقحط حتي كان الآلاف من الناس يموتون كل يوم ، واشتد الجوع كذلك ، ولكن شعب ليننغراد بقي يقاوم ، واستمر الحصار أربعة أعوام تماما ، وفي هذه الفترة كان راديوا ليننغراد يذيع دائما أخبارا وأوامر من قيادة المقاومة ، ويدعو الناس إلى الثبات ، في حين كان ثلثا أعضاء المنطقة وقد ماتوا في الأيام الأخيرة من الجوع ، لكن الراديو لم يوصل موتهم إلى الناس ، وكان يذكر أسماءهم في نهاية البلاغات . والملفت للنظر هو أنّ راديوا ليننغراد لم يعمل لمدّة يومين بسبب انقطاع الطاقة الكهربائية ، فاجتمع جمع غفير حول دائرة الراديو ، وقالوا : إننا لا نريد طعاما ، ولكن افتحوا الراديو مرة أخرى لنستمع إلى إعلانات منظمة المقاومة . وهذه الشواهد والمستندات تبيّن أن قائد الثورة ن وإن لك يكن بين الناس ، إلاّ أن وجوده الحقيقي يكون سببا للأمل والحركة والمعنوية . وأما عن الإمام (عج) ولماذا لا يخلقه الله وقت الظهور ، فنقول : لو كان الأمر كذلك لم يكن لعنوان انتظار ظهور المصلح ، واقع خارجي ، لأنّ الناس يمكنهم أن ينتظروا الفرد الذي يعتقدون بحياته ولا يأمل الإنسان ولا يفرح بإنسان لعله سيولد بعد سنين ، ليؤدي وظيفة المنقذ للناس . في العاللم المتلاطم والمضظرب ، عندما يصل الإنسان إلى اليأس المطلق ، ويعرف فلسفة الجهل بوصفها سبيل حياته ، كيف يمكن تبشير الناس بوجود منقذ سيولد بعد سنين ؟ وهل إن الإعتقاد بالقائد الذي سيولد بعد سنين يمكنه أن يسبب خلق روح الإنتظار البنّاءة لدي الناس ؟ إنّ الإنسان لكي يعرف دقائق وجزئيات الحياة ، ولأجل أن يواصل مسيره التكاملي يلزمه أن يستلهم من وجود قائد حيّ ، وإن كان غائبا . 2- فوائد الإمام المنتظر للأمة الإسلامية :حان الوقت لنتعرف فوائد الإمام للأمة عن قريب ، ونذكر هذه الفوائد تحت عنوان كلي ، اي : ( هو كالشمس خلف الغيوم ) وهذه الفوائد تبيّن حقيقة هذا التشبيه . ففي الأحاديث المتعددة الواردة بشأن فلسفة وفائدة وجود الإمام عليه السلام في زمن الغيبة هناك تعبير لطيف وبيغ في عبارة قصيرة ، قد يكون مفتاحا لحلّ هذا السرّ العظيم ، وهو صادر عن النبي صلى الله عليه وآله ويلم : إذا قال في جواب عن سؤال ما هي فائدة المهدي عليه السلام في عصر غيبته : ( أي والذي بعثني بالنبوة إنهم ينتفعون بنور ولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن جللها السحاب ) [2] . لإدراك هذا السرّ يجب أولا أن نعرف أثر الشمس بشكل عام ، واثرها عندما تختفي أشعاتها خلف الغيوم : للشمي نوعان من الأشعة والضياء : النور الظاهر المخفي ، أو بعبارة أخري الإشعاع المباشر والإشعاع غير المباشر . ففي الإشعاع تشاهد أشعة الشمس بوضوح مع أنّ غلاف الهواء السميك المحيط بالكرة الأرضية يعمل كزجاجة سميكة تقلل من شدة حرارة الشمس وتجعلها قابلة للتحمل ، فهذا الغلاف يصفي نور الشمس ، وبقي من إشعاعاتها القائلة ، وإن كان لا يمنع نور الشمس المباشر . وفي النور غير المباشر ، يكون السحاب كزجاج قائم ، يمتص نور الشمس المباشر ثم ينتشره . عندما ندخل غرفة أضيئت بمصابيح معتمة ، نر أن الغرفة مضيئة ، لكن المصباح نفسه وأشعته الأصلية والمباشرة لا تشاهد . هذا من جهة ، ومن جهة أخرى أنّ لضوء الشمس أهم أثر في الموجودات الحية لأنّ حرارة الشمس ونورها هما الطاقة الوحيدة لحركة ماكنة الحياة في النباتات والحيوانات والإنسان . إنّ نمو الموجودات الحية وتغذيتها وولادتها ، والحس والحركة وإراواء الأراضي القاحلة ، وزمجرة أمواج البحر ، وهبوت الرياح الواهية للحياة ، وسقوط قطرات المطر والثلوج ، وهدير الشلالات وأصوات الطيور ، وجمال الزهور الأخاذ ، ودوران الدم في عروق الإنسان ، وضربات القلب ، وعبور الفكر الخاطف من بين طبقات الدماغ ، والإبتسامة الجميلة التي ترتسم على شفاه الورقة كالطفل الرضيع ترتبط كلها بنحو مباشر أو غير مباشر بنور الشمس ، وبدونها تنطفئ كلها . ويمكن فهم ذلك بقليل من الدقة والتأمل . وهنا يطرح هذا السؤال نفسه : هل أن هذه البركة والآثار الواهية للحياة تختص بزمن الإشعاع المباشر والمستقيم ؟ والجواب : كلا ، إنّ كثيرا من هذه الآثار توجد أيضا عندما تكون الشمس مختفية خلف السحب ، وليس هناك إلا نور المعتم فقط . مثلا في الدول أو المدن التي تكون السماء فيها ملبدة بالسحب عدّة اشهر ،ولا تري الشمس فيها ، توجد الحرارة والنمو في النباتات ، والطاقة اللازمة لما كنة الحياة ، ونضج الغلات والفواكه وابتسامة الزهور والورود . لذا فإنّ في أشعة الشمس الساطعة من خلف السحب القسم الأكبر من آثار وبركاتها ، وإنّ كان قسم صغير من آثارها ، ذلك الذي يحتاج إلى الإشعاع المباشر ، مفقودا . فمثلا نعلم أنّ لأشعة الشمس أثر حياتيا خاصا في جلد الإنسان وسائر أجهزة بدنه ، وفي كل الموجودات الحيّة ، ولهذا السبب فإنّ المناطق المحرومة من الشمس تستعمل الحمامات الشمسية في الأيام التي تسطع فيها الشمس ، ويعرض ساكنوها أجسامهم – الظامئة لهذه الهدية السماوية – لأشعة الشمس كي تمتص ذرات نورها . هذا مضافا إلى أنّ لضوء الشمس المباشر تأثيرا نافعا ، بسبب أشعته فوق البنفسجية التي تقتل الميكروبات ، وتصفي الجوّ . ونستنتج من هذا أنه رغم أنّ طبقات السحب تمتص قسما من آثار أشعة الشمس ، وإلاّ أنها تبقي محتفظة بالقسم الأكبر منه . وهذا هو معني ( المشبه به ) أي الشمس ، والآن نعود إلى وضع ( المشبه ) أي وجود الإمام عليه السلام في حال الغيبة ، إنّ الأشعة المعنوية واللامرئية لوجود الإمام عليه السلام بوصفها محجوبة خلف سحب الغيبة ، لها آثار مختلفة وعديدة ، نوضح فلسفة وجوده ، منتعطيل مسألى التعليم والتربية والإمامة المباشرة ، وهذه الآثار هي : 1- حراسة دين الله :مع مضي الزمن ، واختلاط الأذواق والآراء الشخصية بالمسائل الدينية ، ونتيجة لمخططات المذاهب المنحرفة المغرية ، وامتداد يد المفسرين للعبث بالمفاهيم السماوية ، فإنّ اصالة بعض هذه القوانين تزول ، ويصيبها التغير المضر والمخلّ . إنّ هذا الماء الزلال النازل من سماء الوحي بمروره من خلال عقول هذا وذاك ، يتعكّر بالتدريج ، ويفقد صفاءه الأول . وهذا النور الوضاء بعبوره خلال الأفكار المظلمة ، يخفت ويقل ضياؤه . ومن ثم في شرب أفكار الناس الناتجة عن قصور عقولهم القاصرة ، ويجعل من الصعب معرفة المسائل الأصلية ، وهذا يجعل من الضروري أن يوجد بين المسلمين من يحفظ المفاهيم الإسلامية الخالدة في شكلها النقي للأجيال القادمة. إنّنا نعلم أن في كل مؤسسة مهمة توجد خزانة محكمة تحفظ فيها الأسانيد والوثائق المهمة لتلك المؤسسة ، كي تحفظ من أيدي اللصوص والعابثين ومن خطر الحريق، لأنّ اعتبار تلك المؤسسة يرتبط بحفظ وثائقها . إنّ صدر الإمام الغائب وروحه العالية هي صندوق محكم لحفظ أسانيد ووثائق دين الله . يحفظ فيه الأصالات الأولية والخصائص السماوية لهذه التعاليم ، كي لا تبطل الأدلة الإلهية وآيات الله الواضحة ولا تنطفئ . وهذا قسم آخر من آثار وجوده الشريف . 2- تربية مجموعة خبيرة وعالمة :خلافا لما يتصوره البعض ، فإنّ رابطة الإمام بالناس مقطوعة تماما في زمن الغيبة ، بل كما يظهر من الروايات الإسلامية أنّ مجموعة صغيرة من أكثر الأفراد استعداد ولهم عقول يملؤها عشق الله ، وقلوب يملؤها الإيمان والإخلاص لتحقيق هذف الإصلاح العالمي ، ترتبط بالإمام عليه السلام . وليس معني غيبة الإمام وجوده بصورة روح ى مرئية أو أشعة مخفية بل يتمتع حياة طبيعية هادئة ، يعايش هؤلاء الناس بنحو لا يتعرفونه ، ويختار القلوب المستعدّة جدّا ، ويهيئها ويبيها أكثر من ذي قبل ، ويوفق الأفراد المستعدون باختلاف مستوي استعدادهم لإدراك هذه السعادة ، فيقابله البعض عن قريب للحظة واحدة أو عدّة ساعات أو ايام أو سنين ، وبعبارة أوضح : هناك أفراد استقروا على أجنحة العلم والتقوي ، وارتفعوا بها كراكب الطائرة يحلق فوق السحب . حيث لا حجاب ومانع أمام أشعة الشمس العالمية ، في حين يعيش الجميع تحت السحب وفي الظلام والنور الخافت . في الحقيقة إنّ التفكير الصحيح هو هذا ، فيجب أن لا أتقع أن أسحب الشمس إلى أسفل كي أري وجهها وصرتها ، وإن توقعا كهاذ هو خطأ فاضح ، وتصور واه ، بل أنا الذي يجب عليّ أن أرتفع فوق السحب كي أرتوي من شعاع الشمس وارتشق منه جرعة جرعة . وعلى أية حال فتربية هذه المجهوعة هي أمر آخر من فلسفة وجوده في هذه المرحلة . 3- النفوذ المعنوي غير المعروف :إنّ الشمس أشعة مرئية يحصل من تركيبها الألوان السبعة المعروفة ، ولها أشعة غير مرئية تسمي ( الآشعة فوق البنفسجية ) أو ( ما دون الحمراء ). وهكذا القائد السماوي العظيم سواء كان نبيا أو إماما ، فإنه إضافة إلى تربيته التشريعية التي تحصل عن طريق القول والسلوك والتعليم والتربية ، له نوع من التربية التي تحصل عن طريق القول النفوذ المعنوي في القلوب والأفكار ، ويمكن تسميتها بالتربية التكوينية ، وليس للألفاظ والكلمات والقول والفعل دخل في هذا ، بل المؤثر هو الجذب الداخلي . نقرأ في تراجم كثير من الزعماء الإلهيين العظام أن اتصال بعض المنحرفين المفسدين بهم أحيانا يسبب تغييرهم تماما ، ويقلب مصيرهم ، بعد انحرافهم 180 درجة يختارون طريقا جديديا تماما ، ويصيرون فجأة أفراد منزهين ومؤمنين ومضحين لا يبخلون حتي يبذل نفوسهم . فهذا التحول السريع والمفاجئ والعام ، وهذه الثورة العارمة ، التي تحصل بنظرة واحدة واتصال قصير . ( طبعا لأوليك الذين لهم نوع من الإستعداد رغم تلوثهم وانحرافهم ) كل ذلك نتيجة الجاذبية العارضة فجأة ،والتي يعبر عنها أحيانا بنفوذ الشخصية ، وقد جرّب الكثيرون هذا الأمر في حياتهم ، وأنهم يتأثرون بلا اختيار عند اتّصالهم بمن له روح عالية ورفيعة ، حتي يصعب عليه التحدث أمامهم ، ويرون وسط هالة من العظمة لا يمكن وصفها . ويمكن تفسير حوادث كهذه أحيانا بالإيحاء وأمثاله ، ولكن هذا التفسير لا يصح في جميع الموارد ، بل لا مفرّ من أن نقبل أنّ هذه الآثار من نتيجة الشعاع الذي ينبعث من ذات الإنسان العظيم . وإننا نجد في تاريخ الزعماء قصصا وحوادث كثيرة لا يمكن تفسيرها إلاّ بهذه الحقيقة لقاي ( أسعد بن زرارة ) الوثني بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في جامب الكعبة ، وتغيير أسلوب تفكيره ، أو ما كان يسميه أعداء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالسحر ويحذرون الناس من الإقتراب منه . كل ذلك يبيّن نفوذ شخصية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في الأفراد عن هذا الطريق [3] وهكذا ما قيل بشأن تأثير رسالة الإمام الحسين في أفكار ( زهير بن القين ) في مسيره إلى كربلاء ، أنه حين سماعه نداء الإمام عليه السلام لم يستطع أن يتناول اللقمة التي كانت في يده ، بل تركها ومضي نحو الإمام ! أو الجاذبية العجيبة التي أحسها ( الحر بن يزيد الرياحي ) في نفسه ، فمع كل شجاعنه أخذ يرتعش كشجرة الصفصاف ، تلك الجاذبية التي جرّته أخيرا إلى صفوف المجاهدين في كربلاء ، لينال شرف الشهادة العظيم . أو حكاية الشاب الذي كانيعيش في جوار ( أبي بصير ) وكان مترفا يعيب فسادا بثروته التي يحصل عليها من خدمته لبني أمية ، وبالتالي تغيير برسالة ونداء واحد من الإمام الصادق (ع) وترك أعماله كلها ، وأعاد كل الأموال التي حصل عليها من غير الطريق المشروع إلى أصحابها ، أو أنفقها في سبيل الله . أو قصة الجارية المغنية الجميلة التي أرسلها هارون إلى السجن لظنّه أنها تستطيع حرف الإمام الكاظم عليه السلام ، وتغيّرها الروحي في مدّة قصيرة ، وحتي أن هيئتها وأسلوب كلامها ومنطقها حيّرت هارون وأخافته ... كل ذلك دليل على هذا التأثير اللاإرادي والمفاجئ ، الذي يمكن اعتباره شهبة من ( الولاية التكوينية ) للرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو الإمام عليه السلام ، لأنّ عامل التربية والتكامل هنا ليس الألفاظ والجمل والأساليب العادية ، بل إنّ العامل الأصلي هو الجاذبية المعنوية والنفوذ الروحي . وهذا الأمر لا ينحصر بالأنبياء والأئمة عليهم السلام كما قلنا ، بل إنّ الرجال الصالحين تحيطهم هالة من هذا النفوذ العرض ، لكن ساحة المجموعة الأولي لا تقاس بالمجموعة الثانية من حيث الأبعاد والسعة . إنّ لوجود الإمام عليه السلام خلف حجب الغيبة هذا الأثر أيضا ، وعن طريق أشعة نفوضه وشخصيته القوية النافذة ، يؤثر في القلوب المستعدة في القريب والبعيد ، ويبدأ بتربيتهم وتكاملهم ويصنع منهم أفرادا متكاملين . إننا لا نرى بأعيننا أقطاب الأرض المغناطيسية ، لكن آثارها في عقارب البوصلة ، تكون دليلا للسفن في البحار وللطائرات في الفضاء ، ولجميع الوسائط الأخري ، وفي جميع أنحاء الكرة الأرضية يجد ملايين المسافيرن طريقهم ومقصدهم ببركة هذه الأمواج ، وينجون من التيه بمعونة تلك العقارب الصغيرة ظاهرا . وهل من العجيب أن يوجه وجود الإمام عليه السلام في زمن الغيبة أفكار وقلوب الكثيرين بأمواج جاذبيته المعنوية ، وينجيهم من التيه والحيرة ، ويجب أن لا ننسي أن الأمواج المغناطيسية للأرض لا تؤثر في الحديد الذي لا قيمة له ، بل تؤثر فقط في العقارب الدقيقة والحساسة التي طلبت بماء المغناطيس ، ولها نوع من السنخية والشبة مع القطب الباعث للأمواج المغناطيسية ، وهكذا فإنّ القولب التب تشترك مع الإمام في طريقه ، وانطوت على شبه له ، تقع تحت تأثير جاذبيته الروحية التي لا توصف . وبالنظر لما ذكرناه يتضح أثر آخر من آثار فلسفة وجود الإمام عليه السلام في هذا العصر . 4- بيان هدف الخفقة :لا يخطو أي فرد عاقل خطوة بلا هدف ، بل كل حركة تتم في ضوء العقل والعلم تكون في مسير هادف ، مع فارق أن هذف الناس عادة هو رفع الحاجة والنقص ، أما فعل الله فإنّ هدفه هو رفع حوائج الآخرين ، لأنّ ذاته لا نهاية لها ، وهو خال من كل نقص ، لذا لا معني لقيامه بفعل يعود نفعه إليه ، والآن انظروا إلى هذا المثال : لو أنشأنا في أرض مستعدة بستانا من الورد والفواكه ، فإنّ العشب الضار سوف ينمو بين الأشجار وأغصان الورد ، فكلما سقينا تلك الأشجار القوية فإنّ هذه الأعشاب ترتوي في ضوئها . وهنا نجد هدفين . الهدف الأصلي وهو سقي أشجار الفاكهة وأغصان الورد ، وهدف تبعي وهو سقي العشب المضر الذي لا فائدة فيه . وبلا شك فإنّ الهدف التبعي لا يكون هو الهدف والمقصود من العمل . بل المهم هو الهدف الأصلي . ولو فرضنا ان جميع أشجار البستان يبست ولم بيق منها إلا واحدة ، لكنها شجرة تعطي وحدها الورود والفواكه التي ننتظرها من آلاف الأشجار ، فإننا بلا شك سوف نستمر في السقي والعناية لأجل سقي تلك الشجرة ، وحتي وإن كان هناك عشب كثير يستفيد من السقي ، ولكن لو أنّ تلك الشجرة جفّت فعند ذلك نترك سقي البستان وإن مات العشب المضر . وأولئك الذين هم في مسير التكامل هم الأشجار المثمرة . وأولئك الذين انحرفوا وانحطّوا إلى الفساد هم اعشاب هذا البستان المضرّة . من البديهي أنّ هذه الشمس لم تخلق ، ولا عناصر الهواء ،وبركات الأرض والسماء ، ليتنازع عليها مجموعة من الفاسدين ويأكل بعضهم بعضا ، ولا يوجد في متمعهم إلاّ الظلم والجهل والفساد ، كلا لا يكون هدف الخلقة هذا أبدا. خلق هذا الكون وكل خيراته في نظر الموحّد العارف بمفاهيم العلم وحكمة الله خلق للصالحين والطاهرين ، وسف ينتزع آخر الأمر من أيدي الغاصبين ويعطي لهم . ( إنّ الأرض يرثها عبادي الصالحون ) [4] . إن حارس الكون لأجل هذه الجماعة يستمر بإنزال فيضة ومواهبه . مع أنّ العشب المضر يرتوي بوصفه هدفا تبعيا وينتفع بذلك ، ولكنه دون شك ليس هو الهدف الأصلي . ولو فرضنا أن آخر نسل للصالحين يموت يوما ما ، ففي ذلك يختل سكون الأرض وتقطع السماء بركاتها وتبخل الأرض عن إفادة الإنسان . إنّ الرسول والإمام هما قدوة الصالحين ، ونموذج بارز للإنسان الكامل أي تلك المجموعة التي تشكل الهدف الأصلي للخلقة ، ولهذا فوجوده وحده أو على رأس جماعة الصالحين يحقق هذف الخلقة ، وسبب نزول كل خير وبكة ، سواء عاش بين الناس بشكل ظاهر أو في خفاء وستر . صحيح أنّ بقية الصالحين هدف أيضا للخلقة أ أو بتعبير آخر هو قسم من ذلك الهدف العظيم ، لكن القدوة الكاملة لهذا الهدف هم هؤلاء الأفراد النموذجيون ورجال السماء ، مع حفظ موقع الآخرين ومقامهم . ومن هنا يتضح أن مت ورد في بعض العبارات بهذا المضمون : ( بيمنه رزق الوري وبوجوده ثبتت الأرض والسماء ) ليس إغراقا ، ولا بعيدا عن المنطق ، وليس شريكا . وكذلك العبارة التي نقلت في الكتب المشهورة كالحديث القدسي الذي يخاطب الله تعالى فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( لولاك لما خلقت الأفلاك ) ليس مبالغة بل هو بيان لحقيقة كونه هذه الخلقة ، وباقي الصالحين يشكلون قسما من هذا الهدف العظيم ، ونستنتج مما قيل في العناوين الأربعة المتقدمة: إنّ الذين اعتبروا وجود الإمام في عصر الغيبة وجود شخصيا لا أثر له في المجتمع ، وحاربوا عقائد الشيعة في هذا المجال ، وادعوا أنّ وجود إمام كهذا لا نفع له في مقام قيادة النس ، ليسوا على حق ، بل إنّ آثار وجوده في هذه الحال كثيرة جدّا . حجج الله الخفية في القرآن ونهج البلاغة :يذكر الإمام أمير المئمنين عليه السلام في نهج البلاغة أنّ لله حجتين : إحداهما ظاهرة وأخرى غائبة ، يقول : ( اللهم ، لا تخلو الأرض من قائم الله بحجة إما ظاهرا مشهورا أو خائفا مغمورا، لئلا تبطل حجج الله وبيّناته [5] ). تبين جملة ( لئلا تبطل حجج الله وبيّناته ) أنّ القادة الإلهيين يقومون بزظيفة الإمامة الثقيلة في حالتي الظهور والخفاء ويسعون لهداية الناس في كلتا الحالتين . ما هو مقصود الإمام من ( الحجّة الخائف والمغمور )؟ هل يقصد غير الإمام المعصوم الذي حجب عن الأنظار ، لعدم توفر الشروط المساعدة لظهوره إلى أن يتهيأ العالم لنهضته؟ . بعد معرفة هذين النوعين للحجة الموجودين في كلام أمير المؤمنين عليه السلان ، نلفت انتباه القرّاء إلى مجموعة من أولياء الله الذين كانوا غائبين ويهدون الناس بتلك الحال ، أو كانوا يربون الأفراد بالإستتار واللباس الخاص، أو كانوا أنبياء وأولياء ، لكنهم ينتظرون أمر الله ، حتى يؤدوا تكليفهو ، وهؤلاء هم : أ- معلم مسى الذي سمي في الأخبار باسم ( الخضر ) . ب- نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان يهدي الناس لمدّة ثلاث سنين فردا فردا . ج- موسى عليه السلام في فترة غيبته أربعين يوما . د- يونس عليه السلام الذي عاش فترة في بطن الحوت غائبا عن الأنظار . هـ - المسيح عليه السلام في طفولته ، كان نبيا لكنه بعد ثلاثين عاما نهض بأمر الهداية . أ- الولي الغائب الذي كان معلما لموسي عليه السلام : قادنا القرآن المجيد إلى مقام الولاية وكيفية هداية الأولياء ، وأثبت بوضوح أن أحد رجال الله قد يكون غائبا عن الأنظار ، لكنه في الوقت ذاته يقوم بأمر الهداية والإرشاد . يعرض القرآن وليا كان غائبا عن أنظار الناس ولم يعرفوه ، حتي أنّ رسول ذلك العصر لو يعرفه . ( ولو تعرف عليه فذلك لتعريف الله له ) هذا الولي هو ما قال عنه القرآن : ( فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما ) [6] . إنّ إنسانا ذا علم واسع ينتفع من علمه نبي عصره ، هو قطعا من أولياء الله ، ولم يكن ذا علم واسع فقط، بل كانت له روح قوية ، حتي أنه عندما ( قال له موسي هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا قال إنّك لن تستطيع معي صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط به خيرا ) [7] . وبلا شك فإنّ هؤلاء الأفراد كانوا من أولياء الله العظام ، والتحقيق في أحوال ذلك الولي الغائب عن الأنظار، في تلك اللحظات القصيرة من حياته مع موسى عليه السلام يقودنا إلى أمور ، وهي : 1- كان هذا الولي غائبا عن الأنظار ، لم يعرفه أحد وإن لم يعرف الله به لم يعرفه أحد . لذا فلا يشترط في الولي أن يعرفه الناس حتما . 2- إنّ هذا الولي رغم إنه كان غائبا ، لم يكن غافلا عن حوادث زمنه ، وكانت له صلاحيات من قبل الله في التصرف في الأموال والأنفس ، وكان يوجه الأوضاع طبقا للمصالح ،وكان دقيقا في قيادته ، حتي أنه لم يرض لسفينة البؤساء التي كانت مورد عيشهم أن يغتصبها الحاكم الظالم ، وبإحداث عيب فيها منعه من الإستيلاء عليها ، وكانت صلاحياته وسيعة بحيث قتل نفسا لمصلحة ، وعمل جدارا لصيانة مال اليتيم وحفظه . 3- ولم يكن غائبا هو فقط بل كانت أعماله خفية عن الإنسان العادي . فلو كان النس وصاحب السفينة يعلمون بأفعاله لما سمحوا له بثقب السفينة ، لأنهم لم يكونوا يعرفون هدفه المقدس ، ولو كان الناس قد شاهدوا قتله للطفل لما تركوه و... ومن أفعاله العجيبة التي كان يقوم بها في وسط المجتمع ولا يعلم بها أحد ، فعلم أنه كان مخفيا إضافة إلى أن أعماله وتصرفاته كانت غائبة عن الأعين ، وكان الناس يرون آثار أفعاله ولا يرونه شخصيا . 4- والأهم من كل ذلك هدايته وقيادته ، كان يؤدي تكاليفه ويتمتع بمقام الولاية، وكان يظهر آثار ولايته بالتصرف بالأموال والنفوس أحيانا أو بحفظ أموال اليتيم وحراستها تارة أخرى . وتارة عن طريق تعليم الأفراد وتربيتهم أمثال موسى ، وحياة ولي الله هذه الحساسة والدقيقة نعرف أن ولي العصر قد يكون ظاهرا أحيانا ، وقد يكون غائبا ومخفيا ، ويرتبط ذلك بمصلحة العصر وأحوال الزمن . ونعرف أيضا أن الهداية والقيادة وهي زظيفة الإمام والولي تتحقق بنحوين ، وليس من الضروري أبدا أن يعرف الإمام ليقوم بالهداية ، بل قد يقوم بوظيفته لبخطيرة في حال الغيبة أيضا . إنّ الهداية والقيادة وهي من شؤون أولياء الله . قد يكون بصورة( هداية الفرد ) وقد يكون بنحو ( هداية المجتمع ) أي قد تكون بشكل فردي أو جماعي ، وفي صورتها الفردية ليس الضروري أن يعرف الإمام لدي جميع الأفراد ، بل في الشروط الخاصة وعندما تستحيل ( الهداية الجماعية ) يجب العمل ( بالهداية الفردية ) . واجب الإمام في عصر الغيبة يماثل واجب الولي في عصر موسى فالإمام يتصرف في أمور الناس الدنيوية والأخروية في حال الغيبة ، ويتصل بالأفراد الصالحين ، ويربي الأفراد والشخصيات ، ومع امتلاكه لهم الوظائف وعمله بها ، هل يمكن أن نقول : ما فائدة وجود هذا الولي ؟ وقوله تعالى : ( وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا ) [8] تفيد أن هدايتهم بأمر الله وتفيد أيضا أن أسلوب وكيفية هدايتهم هي بأمر الله أيضا، فقد تتعلق مشيئة الله ، بأن تكون هدايتهم في حال الخفاء ، وقد تستوجب المصلحة أن يظهروا من خلف حجب الغيبة ، ليقوم بالهداية الجماعية ، وعلى أية حال فإنّ كل الهدايات وكيفيتها وأسلوبها هي بأمر الله تعالى . ب- في السنيين التي كان النبي فيها يقوم بتربية افراد وهدايتهم كان يحقق مضمون الآية : ( يهدون بأمرنا ) على الأفراد فقط ، وكانت تلك طريقة هدايته حتي جاء أمر الله ودعاه للهداية الجماعية ، ولم يكن نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم وحده يهدي الناس في الخفاء أولا وبالعلن بعد ذلك ، بل إن تلك هي سنة الهيّة عامة ، فقد كان أمر الله يتعلق بأن تكون إمامتهم وهدايتهم علنية أحيانا أو مخفية ومحجوبة أحيانا أخري ، وكان الأسلوبان في حياة النبي نوح عليه السلام ، وأنه يبيّن طريقة تبليغه بقوله : ( ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا ) [9] . يذكر نوح عليه السلام دعوته العلنية كما يذكر دعوته السرية ، وكلتاهمابأمر الله ، ولهداية الأفراد . وبالأخذ بنظر الإعتبار هذه الحقائق ، وعنما يشهد القرآن والأحاديث المتواترة ، بوجود حياة إمام وقائد كهذا ، تكون الحصيلة أن الإمم يجب أن يكون هاديا وقائدا ، ولسي من الضروري ن يكون أسلوب هدايته عاما وعلنيا وظاهرا؟ أليست هدايته بأمر الله وغرادته؟( يهدون بأمرنا ) فلو كان أمر الله في أن يستمر هذا الإمام بدعوته سرا إلى أن تتهيأ الأرضية لنهضته ويمارس الهداية الفردية لبعض الأفراد ، حتى تتوفر أرضية الهداية الجماعية ، لا يمكن القول بعد ذلك : كيف يكون هذا الإمام هاديا وقائدا ؟ فلو دعا جماعة في الخفاء بأساليب مختلفة إلى الحق والحقيقة ، ,اثر في بعض الأفراد ، ألا يكون قد عمل بتكليفه القيادي إلى حدّ الإمكان ؟ كيف تقبل هذه الطريقة للنبي نوح ونبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم ،ولا تقبل لولي العصر عليه السلام . وخلاصة القول ليس معنى ( يهدون بأمرنا ) أنهم يهدون بشكل متصل وعلني ، بل المراد هو أنهم يؤدون تكليف الهداية كما يريد الله تعالى ، سواء في الخفاؤ أو العلن . وأجل إنّ ولي العصر غائب عن الأنظار ، وإنّ هدايته وتصرفاته وتبليغه غائب عن الأعين أيضا ، ولكن له فيض وإفادة سرية أيضا . ج- غياب موسي عن الأنظار أربعين يوما : لو كان من الضروري وجود الإمام في المجتمع دائما وأنّ غيبته تنافي مقام هدايته وإفادته ، فماذا نقول عن النبي موسى عليه السلام إنّه عليه السلام كما صرّح القرآن ، ابتعد عن بني إسرائيل أربعين يوما فهل كان قائدا وإماما في هذه المدّّة أو لا ؟ فلو قلنا أنه كان يتمتع بمقام النبوة والإمامة ، فيأتي هذا السؤال :ما هي فائدة هكذا إمام ؟ ولو قلنا : أنّ مقام الإمامة سلب عنه في هذه الفترة ، فقد قلنا كلاما ليس بصحيح ولا ثابت ، لأنّ الجميع يعلم أنه كان يتمتع بهذا المنصب وإنّما غاب عن الأنظار لإستلام التوارة . وإن كان من الضروري أن يكون الإمام ملهما ومنيرا فإنّ الفترة القصيرة والطويلة واحدة لدي العقل ، ويستثني من ذلك الغية التي تفرضها ضرورة الحياة كالنوم . قد يقال : إنّ غيبة موسى عليه السلام تختلف عن غيبة القائم عليه السلام ، فلو غاب موسى فذلك لأنّ وصية كان بين الناس يفيض عليهم ويقودهم . وايس الأمر كذلك بالنسبة للإمام القائم عليه السلام . والجواب واضح ، لأنّ الهدف من التشبيه هو أنّ ولي العصر يغيب عن الأنظار لعلل ومصالح ، وإن تلك المصلحة التي سببت غيبة موسي عليه السلام قد تكون سببا لغيبة القائم عليه السلام أيضا . ولو أغمضنا عن هذا الكلام ، فليس الوصي سببا لغيبة النبي ، لأنّه كان إماما وقائدا أيضا ، فلو كانت له إفاضة فذلك لأنه كان إماما وكان يؤدس تكليفه في الحقيقة ، ولم يكن يحمل على عاتقه وظيفة ، ووظيفة موسي عليه السلام ، إضافة إلى ذلك فإنّ لولي العصر نوّابا بين أمّته يمكنهم لقيام بقيادة الناس في عصر الغيبة . د- يونس السجين في بطن الحوت : أشار القرآن المجيد إلى قصّة يونس عليه السلام في سور مختلفة ، وقد صرّح القرآن بأنّ يونس كان محبوسا لفترة في بطن الحوت وغائبا عن أنظار الأمة . كان ولي الله هذا بعيدا عن أمّته مع تمتعه بمقام اولاية ، فإن كان من اللازم إفاضة الإمام المستمرة ووجوده المميز ، فكيف نعلل غيبته ؟ يقول القرآن بصراحة : بعد أن خرج يونس من بطن الحوت بعث إلى المجتمع مرّة أخرى . ويمكن أن نعرف أنه كان يتمتع بمقام الولاية الإلهي في فترة حبسه عن طريق أمر الله له مرة أخرى بهدابة الناس ، وتظهر هذه الحقيقة عندما هم قوم يونس القدماء الذين درأوا العذاب عن أنفسهم بسبب التوبة . هـ - وهناك نموذج آخر وهو المسيح عليه السلام : كان بين نبوة المسيح ووقت تبليغه فترة وفاصلة زمنية . يتحدث القرآن المجيد عن نبي وصل إلى مقام النبوة منذ زمن الطفولة والرضاعة ، كن تبليغه وهدايته بدأت بعد سنين طوال . ألم يقل القرآن عن المسيح عليه السلام : ( إني عبد الله آتاني الكتاب وجعني نبيا ) [10] . قال المسيح ها الكلام في أول أيام حياته ولكن بدأت هدايته العامة وإفاضته في سنّ الثلاثين . فعلي كل فرد أن يجد أساليب وطرق هداية نوح وولي عصر موسى والمسيح عليه السلام في حياة إمام العصر عليه السلام . كانت تلك زاوية من أسرار وآثار وجود الإمام الغائب عليه السلام .
[1] تفيسر البرهان سورة التوبة –
تفسير آية ( وسيري الله عملهم ورسوله ) ص 105 |