الصفحة الرئسية | هوية الشبكة | مراسلات |

الصبر والكف والانتظار لفرج  المهدي عليه السلام

*( وترك الاستعجال بأمر الله وتدبيره) *

1 - حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد ابن عقدة الكوفي قال: حدثنا أحمد بن يوسف ابن يعقوب الجعفي أبوالحسن، قال: حدثنا إسماعيل بن مهران قال: حدثنا الحسن ابن علي بن أبي حمزة، عن أبيه ; ووهيب بن حفص، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال:

" إنه قال لي أبى(عليه السلام): لابد لنار من آذربيجان، لايقوم لها شئ، و إذا كان ذلك فكونوا أحلاس بيوتكم(1) وألبدوا ما ألبدنا(2)، فإذا تحرك متحركنا فاسعوا إليه ولو حبوا(3)، والله لكأني أنظر إليه بين الركن والمقام يبايع الناس على كتاب جديد، على العرب شديد، وقال: ويل لطغاة العرب من شر قد اقترب ".

2 - حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، عن بعض رجاله، عن علي بن عمارة الكناني(4)، قال: حدثنا محمد بن سنان، عن أبى الجارود، عن أبى جعفر(عليه السلام) قال: قلت له(عليه السلام):

" أو صني، فقال: أوصيك بتقوى الله، وأن تلزم بيتك وتقعد في دهماء(5) هؤلاء الناس، وإياك والخوارج منا(6) فإنهم ليسوا على شئ ولا إلى شئ،


(1) الحلس كل ما يوضع على ظهر الدابة، وهو كناية عن السكون وعدم اظهار المخالفة أو الموافقة.
(2) ألبد بالمكان: أقام به، ولبد الشئ بالارض يلبد - بالضم - أى لصق.
(3) أتى حبوا أى على يديه وركبتيه، يعنى أسرعوافى اجابة داعينا بأى وجه ممكن.
(4) كذا، ولعله البكرى المعنون في الجامع.
(5) الدهماء - بفتح الدال المهملة: جماعة الناس، والعدد الكثير.
(6) أى ائمة الزيدية، وساداتهم مثل بنى الحسن(ع).

واعلم أن لبنى امية ملكا لا يستطيع الناس أن تردعه(1)، وأن لاهل الحق دولة إذا جاء‌ت ولا ها الله لمن يشاء منا أهل البيت، فمن أدركها منكم كان عندنا في السنام الاعلى(2)، وإن قبضه الله قبل ذلك خار له، واعلم أنه لا تقوم عصابة تدفع ضيما أو تعز دينا إلا صرعتهم المنية والبلية(3) حتى تقوم عصابة شهدوا بدرا مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يواري قتيلهم، ولا يرفع صريعهم(4) ولا يداوى جريحهم،

قلت: من هم؟

قال: الملائكة ".

3 - وأخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد قال: حدثني علي بن الحسن التيملي قال: حدثنا الحسن ومحمد ابنا علي بن يوسف، عن أبيهما، عن أحمد بن على الحلبي، عن صالح بن أبى الاسود، عن أبى الجارود قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام) يقول:

" ليس منا أهل الب‍ي ت أحد يدفع ضيما ولا يدعو إلى حق إلا صرعته البلية حتى تقوم عصابة شهدت بدرا، لا يوارى قتيلها، ولا يداوى جريحها.

- قلت: من عنى [ابوجعفر(عليه السلام)] بذلك؟ قال:

الملائكة - ".

4 - حدثنا محمد بن همام ; ومحمد بن الحسن بن محمد بن جمهور جميعا، عن الحسن ابن محمد بن جمهور، عن أبيه، عن سماعة بن مهران، عن أبى الجارود، عن القاسم بن الوليد الهمداني، عن الحارث الاعور الهمداني قال: قال أمير المؤمنين(عليه السلام) على المنبر:

" إذء هلك الخاطب(5) وزاغ صاحب العصر، وبقيت قلوب تتقلب فمن مخصب


(1) أى رده عنهم.وفى بعض النسخ " نزعه ".
(2) اى في المقام الرفيع، والسنام هو أعلى كل شئ.
(3) الضيم - الظلم، والمنية: الموت، وصرعه صرعا وصراعا أى طرحه على الارض.
(4) قال العلامة المجلسى(ره): قوله " قتيلهم " أى الذين يقتلهم تلك العصابة، و الحاصل أن من يقتلهم الملائكة لا يوارون في التراب، ولا يرفع من صرعوهم، ولا يقبل الدواء من جرحوهم - انتهى، وأقول: الظاهر أنه ليس فيهم - أعنى تلك العصابة - قتيل ولا صريع ولا جريح حتى يحتاج إلى الدفن او الرفع أو التداوى، ويؤيد ذلك ما يأتى تحت رقم 4.
(5) لعل المراد بالخاطب الطالب للخلافة، أو الخطيب الذى يقوم بغير الحق، أو بالحاء المهملة أى جالب الحطب.

ومجدب، هلك المتمنون، واضمحل المضمحلون، وبقي المؤمنون، وقليل ما يكونون ثلاثمائه أو يزيدون، تجاهد(1) معهم عصابة جاهدت مع رسول الله(صلى الله عليه وآله) يوم بدر، لم تقتل ولم تمت ".

معنى قول أمير المؤمنين(عليه السلام) " وزاغ صاحب العصر " أراد صاحب هذا الزمان الغائب الزائغ عن أبصار هذا الخلق لتدبير الله الواقع.

ثم قال:

" وبقيت قلوب تتقلب فمن مخصب ومجدب " وهي قلوب الشيعة المتقلبة عند هذه الغيبة(2) والحيرة، فمن ثابت منها على الحق مخصب، ومن عادل عنها إلى الضلال وزخرف المقال مجدب.

ثم قال " هلك المتمنون " ذما لهم وهم الذين يستعجلون أمر الله ولا يسلمون له، ويستطيلون الامد فيهلكون قبل أن يروا فرجا، ويبقي الله من يشاء أن يبقيه من أهل الصبر والتسليم حتى يلحقه بمرتبته، وهم المؤمنون، وهم المخلصون القليلون الذين ذكر(عليه السلام) انهم ثلاثمائة أو يزيدون ممن يؤهله الله بقوة إيمانه وصحة يقينه لنصرة وليه(عليه السلام) وجهاد عدوه، وهم كما جاء‌ت الرواية عما له وحكامه في الارض عند استقرار الدار به ووضع الحرب أو زارها، ثم قال أمير المؤمنين(عليه السلام) " تجاهد معهم عصابة جاهدت(3) مع رسول الله(صلى الله عليه وآله) يوم بدر، لم تقتل ولم تمت " يريد أن الله عزوجل يؤيد أصحاب القائم(عليه السلام) هؤلاء الثلاثمائة والنيف الخلص بملائكة بدر، وهم أعدادهم، جعلنا الله ممن يؤهله لنصرة دينه مع وليه(عليه السلام)، وفعل بنا في ذلك ما هو أهله.

5 - أخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد قال: حدثنا حميد بن زياد الكوفي، قال: حدثنا علي بن الصباح ابن الضحاك، عن جعفر بن محمد بن سماعة، عن سيف التمار، عن أبى المرهف قال: قال أبوعبدالله(عليه السلام): " هلكت المحاضير - قال: قلت: وما المحاضير،


(1) في بعض النسخ " تجالد معهم عصابة جالدت مع رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر " وجالد بالسيف: ضارب به.
(2) في بعض النسخ " المتقلبة عن هذه الغيبة ".
(3) في بعض النسخ " تجالد معهم عصابة جالدت - الخ ".

قال: المستعجلون - ونجا المقربون(1)، وثبت الحصن على أوتادها، كونوا أحلاس بيوتكم، فإن الغبرة على من أثارها(2)، وإنهم لا يريدونكم بجائحة إلا أتاهم الله بشاغل إلا من تعرض لهم "(3).

6 - حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد قال: حدثني يحيى بن زكريا بن شيبان، قال: حدثنا يوسف بن كليب المسعودي، قال: حدثنا الحكم بن سليمان، عن محمد بن كثير، عن أبي بكر الحضرمي قال: " دخلت أنا وأبان على أبي عبدالله(عليه السلام) وذلك حين ظهرت الرايات السود بخراسان، فقلنا: ما ترى؟ فقال:

اجلسوا في بيوتكم، فإذا رأيتمونا قد اجتمعنا على رجل فانهدوا إلينا بالسلاح "(4).

7 - وحدثنا محمد بن همام قال: حدثني جعفر بن محمد بن مالك الفزاري، قال: حدثني محمد بن أحمد، عن علي بن أسباط، عن بعض أصحابه، عن أبي عبدالله(عليه السلام) أنه قال:

" كفوا ألسنتكم والزموا بيوتكم، فإنه لا يصيبكم أمر تخصون به أبدا ويصيب العامة(5) ولا تزال الزيدية وقاء لكم أبدا ".

8 - وحدثنا علي بن أحمد قال: حدثنا عبيد الله بن موسى العلوي، عن محمد ابن موسى، عن أحمد بن أبي أحمد(6)، عن محمد بن علي، عن علي بن حسان، عن


(1) المحاضير: جمع المحضير وهو الفرس الكثير العدو، والمقربون - بكسر الراء مشددة - اى الذين يقولون الفرج قريب ويرجون قربه أو يدعون لقربه.
أو بفتح الراء أى الصابرون الذين فازوا بالصبر بقربة تعالى.(البحار) وفى بعض النسخ " المقرون ".
(2) في بعض النسخ " الفتنة على من أثارها " أى يعود ضررها إلى من أثارها أكثر من ضرره إلى غيره كما أن بالغبار يتضرر مثيرها أكثر من غيره.
(3) في بعض النسخ " لامر يعرض لهم "، والجائحة: النازلة.
(4) نهد إلى العدو ينهد - بالفتح - أى نهض.(الصحاح).
(5) في بعض النسخ " ويصيب الغلمة ولا تزال وقاء لكم " بدون كلمة " الزيدية "، وهى - بالكسر - جمع غلام.
وفى بعض النسخ " ولا يصيب العامة " بزيادة " لا ".
(6) كذا ولعله أحمد بن أبى أحمد الوراق الجرجانى الاتى.

عبدالرحمن بن كثير قال: كنت عند أبى عبدالله(عليه السلام) يوما وعنده مهزم الاسدي، فقال: " جعلني الله فداك متى هذا الامر [الذي تنتظرونه؟] فقد طال [علينا] فقال:

[يامهزم] كذب المتمنون، وهلك المستعجلون، ونجا المسلمون، وإلينا يصيرون ".

9 - علي بن أحمد، عن عبيدالله بن موسى العلوي، قال: حدثنا على بن الحسن، عن علي بن حسان، عن عبدالرحمن بن كثير، عن أبي عبدالله(عليه السلام) في قول الله عزوجل

" أتى أمر الله فلا تستعجلوه "(1) قال: هو أمرنا، أمر الله عز وجل أن لا تستعجل به حتى يؤيده [الله] بثلاثة [أجناد]: الملائكة، والمؤمنين، والرعب، وخروجه(عليه السلام) كخروج رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وذلك قوله تعالى: " كما أخرجك ربك من بيتك بالحق "(2).

10 - أخبرنا محمد بن همام ; ومحمد بن الحسن بن محمد بن جمهور جميعا، عن الحسن ابن محمد بن جمهور، عن أبيه، عن سماعة بن مهران، عن صالح بن ميثم ; ويحيى بن سابق(3) جميعا عن أبى جعفر الباقر(عليه السلام) أنه قال:

" هلك أصحاب المحاضير، ونجا المقربون، وثبت الحصن على أوتادها، إن بعد الغم فتحا عجيبا ".

11 - وحدثنا أحمد بن محمد بن سعيد ابن عقدة قال: حدثنا أحمد بن يوسف بن يعقوب الجعفي قال: حدثنا إسماعيل بن مهران، قال: حدثنا الحسن بن علي ابن أبي حمزة، عن الحكم بن أيمن، عن ضريس الكناسي، عن أبى خالد الكابلي، قال: قال علي بن الحسين(عليهما السلام):

" لو ددت أنى تركت فكلمت الناس ثلاثا، ثم قضى الله في ما أحب، ولكن عزمة من الله أن نصبر، ثم تلى هذه الآية " ولتعلمن نبأه بعد حين(4) " ثم تلا أيضا قوله تعالى " ولتسمعن من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الامور "(1).


(1) النحل: 1.
(2) الانفال: 5.
(3) في بعض النسخ " صالح بن نبط ; وبكر بن المثنى ".
(4) ص: 88.

12 - علي بن أحمد قال: حدثنا عبيد الله بن موسى العلوي، عن علي بن إبراهيم ابن هاشم، عن علي بن إسماعيل، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن أبى الطفيل، عن أبي جعفر محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين(عليهم السلام):

أن ابن عباس بعث إليه من يسأله عن هذه الآية " يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا(2) " فغضب علي بن الحسين(عليهما السلام) وقال للسائل: وددت أن الذي أمرك بهذا واجهني به، ثم قال: نزلت في أبي وفينا ولم يكن الرباط الذي امرنا به بعد وسيكون ذلك ذرية من نسلنا المرابط، ثم قال: أما إن في صلبه يعني ابن عباس - وديعة ذرئت لنار جهنم، سيخرجون أقواما من دين الله أفواجا، وستصبغ الارض بدماء فراخ من فراخ آل محمد(عليهم السلام) تنهض تلك الفراخ في غير وقت، وتطلب غير مدرك، ويرابط الذين آمنو ويصبرون ويصابرون حتى يحكم الله، وهو خير الحاكمين ".

13 - حدثنا علي بن أحمد، عن عبيد الله بن موسى، عن هارون بن مسلم، عن القاسم بن عروة، عن بريد بن معاوية العجلي، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر(عليهما السلام) في قوله عزوجل:

" اصبروا وصابروا ورابطوا " فقال: اصبروا على أداء الفرائض، وصابروا عدوكم، ورابطوا إمامكم [المنتظر] ".

14 - حدثنا محمد بن همام قال: حدثنا جعفر بن محمد بن مالك قال: حدثني أحمد بن علي الجعفي، عن محمد بن المثني الحضرمي، عن أبيه، عن عثمان بن زيد(3) عن جابر، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر(عليهما السلام) قال: " مثل خروج القائم منا أهل البيت كخروج رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ومثل من خرج منا أهل البيت قبل قيام القائم مثل فرخ طار فوقع من وكره(4) فتلا عبت به الصبيان ".


(1) آل عمران: 186.
(2) آل عمران: 200.
(3) عثمان بن زيد بن عدى الجهنى كان من أصحاب أبى عبدالله عليه السلام.
(4) في منقوله في البحار " ووقع في كوة فتلاعب به الصبيان ".

15 - حدثنا على بن أحمد، عن عبيد الله بن موسى، عن أحمد بن الحسين(1)، عن علي بن عقبة، عن موسى بن أكيل النميرى، عن العلاء بن سيابة، عن أبي - عبدالله جعفر بن محمد(عليهما السلام) أنه قال:

" من مات منكم على هذا الامر منتظرا كان كمن هو في الفسطاط الذي للقائم(عليه السلام) "(2).

16 - حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد ابن عقدة قال: حدثنا أحمد بن يوسف بن يعقوب الجعفى أبوالحسن، قال: حدثنا إسماعيل بن مهران، قال: حدثنا الحسن ابن علي بن أبي حمزة، عن أبيه ; ووهيب بن حفص، عن أبى بصير، عن أبي عبدالله(عليه السلام) أنه قال ذات يوم:

" ألا اخبركم بما لا يقبل الله عزوجل من العباد عملا إلا به؟

فقلت: بلى،

فقال:

شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده [ورسوله] والاقرار بما أمر الله، والولاية لنا، والبراء‌ة من أعدائنا - يعني الائمة خاصة - والتسليم لهم، والورع والاجتهاد والطمأنينة، والانتظار للقائم(عليه السلام)، ثم قال: إن لنا دولة يجيئ الله بها إذا شاء.

ثم قال:

من سره أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر وليعمل بالورع ومحاسن الاخلاق، وهو منتظر، فإن مات وقام القائم بعده كان له من الاجر مثل أجر من أدركه، فجدوا وانتظروا(3) هنيئا لكم أيتها العصابة المرحومة ".

17 - على بن أحمد، عن عبيد الله بن موسى العلوي، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن سنان، عن عمار بن مروان، عن منخل بن جميل، عن جابر بن يزيد، عن أبى جعفر الباقر(عليه السلام) أنه قال:

" اسكنوا ما سكنت السماوات والارض - أي لا تخرجوا على أحد - فإن أمركم ليس به خفاء، ألا إنها آية من الله عزوجل ليست من الناس(4)


(1) الظاهر هو أحمد بن الحسين بن سعيد بن عثمان أبوعبدالله القرشى.وفي بعض النسخ " أحمد بن الحسن " وكأنه احمد بن الحسن بن على بن فضال.
(2) في بعض النسخ " كان كمن في فسطاط القائم عليه السلام ".
(3) في بعض النسخ " فجدوا تعطوا، هنيئا، هنيئا ".
(4) في بعض النسخ " آية من الله عزوجل جعلها بين الناس ".

ألا إنها أضوء من الشمس لاتخفى على بر ولا فاجر، أتعرفون الصبح؟ فإنها كالصبح ليس به خفاء ".

انظروا - رحمكم الله - إلى هذا التأديب من الائمة(عليهم السلام) وإلى أمرهم ورسمهم في الصبر والكف والانتظار للفرج، وذكرهم هلاك المحاضير والمستعجلين وكذب المتمنين، ووصفهم نجاة المسلمين، ومدحهم الصابرين الثابتين، وتشبيههم إياهم(1) على الثبات بثبات الحصن على أوتادها، فتأدبوا - رحمكم الله - بتأديبهم، وامتثلوا أمرهم، وسلموا لقولهم، ولا تجاوزوا رسمهم، ولا تكونوا ممن أردته الهواى والعجلة، ومال به الحرص عن الهدى والمحجة البيضاء، وفقنا الله وإياكم لما فيه السلامة من الفتنة، وثبتنا وإياكم على حسن البصيرة، وأسلكنا وإياكم الطريق المستقيمة الموصلة إلى رضوانه المكسبة سكنى جنانه مع خيرته وخلصائه بمنه وإحسانه.

الأمّة والتمحيص والتفرق والتشتت عندغيبة المهدي عليه السلام

حتى لا يبقى على حقيقة الامر الا الاقل الذى وصفه الائمة عليهم السلام:

1 - حدثنا محمد بن يعقوب قال: حدثنا علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن يعقوب السراج ; وعن علي بن رئاب، عن أبي عبدالله(عليه السلام) أنه قال: لما بويع لامير المؤمنين(عليه السلام) بعد مقتل عثمان صعد المنبر وخطب خطبة ذكرها(2) يقول فيها:

" ألا إن بليتكم ق د عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيه(صلى الله عليه وآله وسلم)(3) والذي


(1) في بعض النسخ " نسبهم اياهم ".
(2) الضمير في " ذكر " لابى عبدالله عليه السلام.
(3) اى ابتلاء‌كم واختباركم قد عادت، فإن النبى صلى الله عليه وآله قد بعث في زمان ألف الناس بالباطل وجروا عليه، ونشأوا فيه من عبادة الاصنام وعادات الجاهلية، ثم الناس بعد الرسول " ص " رجعوا عن الدين القهقرى إلى سنن الكفر ونسوا سنن النبى " ص " وألفوا البدع والاهواء، فلما أراد أميرالمؤمنين عليه السلام ردهم إلى الحق قامت الحروب وعظمت الخطوب، فعاد الزمان كما كان قبل البعثة مثل ما كان في قصة صلاة التراويح وغيرها.

بعثه بالحق لتبلبلن بلبلة ولتغربلن غربلة حتى يعود أسلفكم أعلاكم وأعلاكم أسفلكم(1)، وليسبقن سابقون كانوا قصروا(2)، وليقصرن سباقون كانوا سبقوا، والله ما كتمت وسمة(3) ولا كذبت كذبة، ولقد نبئت بهذا المقام وهذا اليوم ".

2 - حدثنا محمد بن يعقوب الكليني قال: حدثني عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن معمر بن خلاد، قال: سمعت أباالحسن(عليه السلام) يقول:

" الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون(4) " ثم قال لي: ما الفتنة؟ فقلت: جعلت فداك الذي عندنا أن الفتنة في الدين(5)، فقال: يفتنون كما يفتن الذهب، ثم قال: يخلصون كما يخلص الذهب ".

3 - حدثنا محمد بن يعقوب قال: حدثنا علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن سليمان بن صالح رفعه إلى أبي جعفر محمد بن علي الباقر(عليهما السلام) قال: قال:

" إن حديثكم هذا لتشمئز منه قلوب الرجال [فانبذوه إليهم نبذا] فمن أقربه فزيدوه، ومن أنكر فذروه، إنه لابد من أن تكون فتنة يسقط فيها كل بطانة ووليجة حتى يسقط فيها من يشق الشعرة [بشعرتين](6) حتى لا يبقى إلا نحن وشيعتنا ".


(1) بلبلة الصدر وسواسه، والبلابل هى الهموم والاحزان، ولعله أشار عليه السلام إلى تشتت الآراء عند قتال أهل القبلة في وقعة الجمل وصفين، والغربلة أيضا كناية عن الاختبار، والمعنى أنكم لتميزن بالفتن التى ترد عليكم حتى يتميز خياركم من شراركم.
(2) في الكافى " وليسبق سباقون كانوا قصروا ".
(3) أى ما سترت علامة.وفى بعض النسخ " بالشين " أى كلمة.
(4) سورة العنكبوت: 2، وقال البيضاوى أحسبوا تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا، بل يمتحنهم الله بمشاق التكاليف كالمهاجرة والمجاهدة، ورفض الشهوات، ووظائف الطاعات، وأنواع المصائب في الانفس والاموال، ليميز المخلص من المنافق، والثابت في الدين من المضطرب فيه.
(5) أى احداث بدعة أو شبهة تدعو إلى الخروج عن الدين.
(6) بطانة الرجل: دخلاؤه، وبطانة الانسان: خاصته: وشق الشعرة - بفتح المعجمة - كناية شايعة بين العرب والفرس عن كمال الدقة في الامور.

4 - حدثنا أبوسليمان أحمد بن هوذة الباهلي، قال: حدثنا أبوإسحاق إبراهيم بن إسحاق النهاوندي سنة ثلاث وسبعين ومائتين قال: حدثنا عبدالله بن حماد الانصاري سنة تسع وعشرين ومائتين، عن رجل، عن أبي عبدالله(عليه السلام): أنه دخل عليه بعض أصحابه فقال له: جعلت فداك إني والله أحبك واحب من يحبك، يا سيدي ما أكثر شيعتكم، فقال له:

أذكرهم، فقال: كثير، فقال: تحصيهم؟ فقال: هم أكثر من ذلك.

فقال أبوعبدالله(عليه السلام):

أما لو كملت العدة الموصوفة ثلاثمائة وبضعة عشر كان الذى تريدون، ولكن شيعتنا من لايعدو صوته سمعه، ولا شحناؤه بدنه(1)، ولا يمدح بنا معلنا(2)، ولا يخاصم بنا قاليا(3)، ولا يجالس لنا عايبا، ولا يحدث لنا ثالبا(4)، ولا يحب لنا مبغضا، ولا يبغض لنا محبا، فقلت: فكيف أصنع بهذه الشيعة المختلفة الذين يقولون إنهم يتشيعون؟ فقال: فيهم التمييز، وفيهم التمحيص، وفيهم التبديل، يأتى عليهم سنون تفنيهم، وسيف يقتلهم، واختلاف يبددهم(5).

إنما شيعتنا من لا يهر هرير الكلب ولا يطمع طمع الغراب، ولا يسأل الناس بكفه وإن مات جوعا

قلت:

جعلت فداك فأين أطلب هؤلاء الموصوفين بهذه الصفة؟ فقال: أطلبهم في أطراف الارض، أولئك الخفيض عيشهم(6)، المنتقلة دارهم، الذين إن شهدوا لم يعرفوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، وإن مرضوا لم يعادوا،


(1) الشحناء: الحقد، أى لا يضر شحناؤه غيره ولا يتجاوز نفسه.
(2) في بعض النسخ " عاليا " يعنى ظاهرا.
(3) أى مبغضا والقلاء: البغض، وفى بعض النسخ " لا يخاصم بنا واليا ".
(4) الثالب فاعل من الثلب، وثلبه ثلبا أى عابه أو اغتابه أو سبه، أى لا يتحدث مع الساب لنا.
(5) في بعض النسخ " يبيدهم " أى يهلكهم.
(6) أى كانوا سهل المؤونة، من الخفض أى الدعة والسكون.

وإن خطبوا لم يزوجوا، وإن ماتوا لم يشهدوا، أولئك الذين في أموالهم يتواسون، وفي قبورهم يتزاورون، ولا تختلف أهواؤهم وإن اختلفت بهم البلدان " 5 - حدثنا محمد بن همام قال: حدثنا حميد بن زياد الكوفى، قال: حدثنا الحسن بن محمد بن سماعة، قال: حدثنا أحمد بن الحسن الميثمى، عن على بن منصور، عن إبراهيم بن مهزم الاسدي، عن أبيه مهزم، عن أبي عبدالله(عليه السلام) بمثله إلا أنه زاد فيه " وإن رأوامؤمنا أكرموه، وإن رأوا منافقا هجروه، وعند الموت لايجزعون، وفي قبورهم يتزاورون - ثم تمام الحديث ".

6 - أخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد قال: حدثني أحمد بن يوسف الجعفي، أبوالحسن من كتابه، قال: حدثنا إسماعيل بن مهران، عن الحسن بن على بن أبي حمزة، عن أبيه ; ووهيب [بن حفص] عن ابي بصير، عن ابي عبدالله(عليه السلام) أنه قال:

" مع القائم(عليه السلام) من العرب شئ يسير، فقيل له: إن من يصف هذا الامر منهم لكثير، قال: لابد للناس من أن يمحصوا(1) ويميزوا، ويغربلوا، وسيخرج من الغربال خلق كثير ".

7 - وأخبرنا علي بن الحسين قال: حدثنا محمد بن يحيى العطار، قال: حدثنا محمد بن حسان الرازى، قال: حدثنا محمد بن علي الكوفي، عن الحسن بن محبوب الزراد، عن أبي المغرا، عن عبدالله بن أبي يعفور، عن أبي عبدالله(عليه السلام) أنه سمعه يقول:

" ويل لطغاة العرب من شر قد اقترب(2)، قلت: جعلت فداك كم مع القائم من العرب؟ قال: شئ يسير، فقلت: والله إن من يصف هذا الامر منهم لكثير(3)


(1) محص الذهب: أخلصه مما يشوبه، والتمحيص: الاختبار والابتلاء،(2) الطغاة - بالضم - جمع الطاغى وهو الذى تجاوز الحد في العصيان، ولعل المراد أئمة الجور، وفى الكافى " من أمر قد اقترب " ولعله أراد ظهور القائم عليه السلام ; أو الفتن الحادثة قبل قيامه عليه السلام.ويؤيد الثانى ما جاء في المتن من قوله " من شر قد اقترب ".
(3) أى من يدعى الاعتقاد بامامة الائمة عليهم السلام ويظهره.

فقال:

لابد للناس من أن يمحصوا ويميزوا ويغربلوا ويخرج من الغربال خلق كثير "(1).

وحدثنا بذلك أيضا بلفظه محمد بن يعقوب الكلينى، عن محمد بن يحيى ; والحسن بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن القاسم بن إسماعيل الانبارى، عن الحسن ابن علي(2) عن أبي المغرا، عن ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبدالله(عليه السلام) - وذكر مثله -.

8 - وأخبرنا علي بن أحمد، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى العلوي العباسى، عن أحمد بن محمد عن الحسن بن علي بن زياد(3)، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي - بصير قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي(عليهما السلام) يقول:

" الله لتميزن، والله لتمحصن، والله لتغربلن كما يغربل الزؤان من القمح "(4).

9 - أخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد قال: حدثنا القاسم بن محمد بن الحسن بن حازم، قال: حدثنا عبيس بن هشام، عن عبدالله بن جبلة، عن مسكين الرحال عن علي بن أبي المغيرة، عن عميرة بنت نفيل قالت: سمعت الحسين بن علي(عليهما السلام)(5)


(1) قال العلامة المجلسى - رحمه الله -: هذا الكلام يدل على أن الغربال المشبه به هو الذى يخرج الردى ويبقى الجيد في الغربال.وحاصله أن في الفتن الحادثة قبل قيام القائم عليه السلام يرتد أكثر العرب عن الدين - انتهى.
أقول: الظاهر أنه أراد من الغربلة التذرية والتنقية وما يقال له بالفارسية " بوجارى ".
(2) الظاهر كونه الحسن بن على بن فضال التيملى، فما في بعض نسخ الكافى من " الحسين بن على " تصحيف،(3) هو الحسن بن على الوشاء المعروف يروى عنه أحمد بن محمد بن عيسى الاشعرى وكلاهما من وجوه الشيعة، وما في بعض النسخ والبحارمن محمد بن أحمد أو الحسين ابن على زياد تصحيف.
(4) الزؤان: هو ما ينبت غالبا بين الحنطة، وحبه يشبه حبها الا أنه أصغر واذا أكل يجلب النوم.
والقمح: البر وهو حب معروف يطحن ويتخذ منه الخبز.
(5) في بعض النسخ هنا وما يأتى " الحسن بن على عليهما السلام ".

يقول:

" لا يكون الامر الذي تنتظرونه حتى يبرأ بعضكم من بعض، ويتفل بعضكم في وجوه بعض، ويشهد بعضكم على بعض بالكفر، ويلعن بعضكم بعضا، فقلت له: ما في ذلك الزمان من خير، فقال الحسين(عليه السلام): الخير كله في ذلك الزمان، يقوم قائمنا، ويدفع ذلك كله ".

10 - أخبرنا علي بن أحمد قال: أخبر نا عبيد الله بن موسى العلوي، عن الحسن بن علي، عن عبدالله بن جبله، عن بعض رجاله، عن أبى عبدالله(عليه السلام) أنه قال:

" لا يكون ذلك الامر حتى يتفل بعضكم في وجوه بعض، وحتى يلعن بعضكم بعضا، وحتى يسمي بعضكم بعضا كذابين ".

11 - وأخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد قال: حدثنا علي بن الحسن التيملي، قال: حدثنا محمد وأحمد ابنا الحسن(1) عن أبيهما، عن ثعلبة بن ميمون، عن أبي - كهمس، عن عمران بن ميثم، عن مالك بن ضمرة قال: قال أميرالمؤمنين(عليه السلام):

" يا مالك بن ضمرة كيف أنت إذا اختلفت الشيعة هكذا - وشبك أصابعه وأدخل بعضها في بعض - فقلت: يا أميرالمؤمنين ما عند ذلك من خير، قال: الخير كله عند ذلك، يا مالك عند ذلك يقوم قائمنا فيقدم سبعين رجلا يكذبون على الله وعلى رسوله(صلى الله عليه واله وسلم)، فيقتلهم، ثم يجمعهم الله على أمر واحد ".

12 - وأخبرنا علي بن أحمد، قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى العلوي، عن علي بن إسماعيل الاشعري، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن رجل، عن أبي جعفر(عليه السلام) أنه قال:

لتمحصن يا شيعة آل محمد تمحيص الكحل في العين(2)، وإن صاحب العين يدري متى يقع الكحل في عينه ولا يعلم متى يخرج


(1) محمد وأحمد، هما ابنا الحسن بن على بن فضال يروى عنهما أخوهما على بن الحسن وتقدم ذكرهم في مقدمة مؤلف الكتاب ص 25.
(2) في غيبة الشيخ " لمتخضن يا معشر شيعة آل محمد كمخيض الكحل في العين، لان صاحب الكحل يعلم متى - الخ ".ومحص الذهب أخلصه مما يشوبه، والتمحيص: الاختبار والابتلاء، ومخض اللبن: أخذ زبده.

منها، وكذلك يصبح الرجل على شريعة من أمرنا، ويمسي وقد خرج منها، ويمسي على شريعة من أمرنا، ويصبح وقد خرج منها ".

13 - وأخبرنا علي بن أحمد قال: أخبرنا عبيدالله بن موسى، عن رجل(1)، عن العباس بن عامر، عن الربيع بن محمد المسلي - من بني مسلية(2) - عن مهزم بن أبى بردة الاسدي وغيره، عن أبي عبدالله(عليه السلام) أنه قال:

" والله لتكسرن تكسر الزجاج، وإن الزجاج ليعاد فيعود [كما كان]، والله لتكسرن تكسر الفخار، فإن الفخار ليتكسر فلا يعود كما كان، [و] والله لتغربلن [و] والله لتميزن [و] والله لتمحصن حتى لا يبقى منكم إلا الاقل، وصعر كفه "(3).

فتبينوا يامعشر الشيعة هذه الاحاديث المروية عن أمير المؤمنين ومن بعده من الائمة(عليهم السلام)، واحذروا ما حذروكم، وتأملوا ما جاء عنهم تأملا شافيا، وفكروا فيها فكرا تنعمونه، فلم يكن في التحذير شئ أبلغ من قولهم " إن الرجل يصبح على شريعة من أمرنا ويمسي وقد خرج منها، ويمسي على شريعة من أمرنا ويصبح وقد خرج منها " أليس هذا دليلا على الخروج من نظام الامامة وترك ما كان يعتقد منها إلى تبيان الطريق(4).

وفي قوله(عليه السلام):

" والله لتكسرن تكسر الزجاج وإن الزجاج ليعاد فيعود [كما كان] والله لتكسرن تكسر الفخار فإن الفخار ليتكسر فلا يعود كما


(1) لعله أيوب بن نوح بن دراج وهو ثقة.وقد رواه الشيخ عن أيوب بن نوح عن العباس بن عامر.
(2) المسلى - بضم الميم وسكون السين وفي آخرها لام - قال في اللباب: هذه النسبة إلى مسلية بن عامر بن عمرو بن علة بن خلد بن مالك بن أدد، ومالك هو مذحج وهى قبيلة كبيرة من مذحج، ونزلت مسلية بالكوفة محلة، فنسبت اليهم، وينسب إلى هذه المحلة جماعة ليسوا من القبيلة، فالتصريح بكون الراوى من بنى مسلية لدفع توهم كونه من أهل الكوفة.
(3) صعر كفه - بتشديد العين المهملة - أى أمالها تهاونا بالناس.
(4) أى إلى أن يتبين الطريق أو " إلى " بمعنى مع، وفى نسخة " على غير طريق ".

كان " فضرب ذلك مثلا لمن يكون على مذهب الامامية فيعدل عنه إلى غيره بالفتنة التى تعرض له، ثم تلحقه السعادة بنظرة من الله فتبين له ظلمة ما دخل فيه وصفاء ما خرج منه، فيبادر قبل موته بالتوبة والرجوع إلى الحق فيتوب الله عليه ويعيده إلى حاله في الهدى كالزجاج الذي يعاد بعد تكسره فيعود كما كان، ولمن يكون على هذا الامر فيخرج عنه ويتم على الشقاء بأن يدركه الموت وهو على ما هو عليه غير تائب منه ولا عائد إلى الحق فيكون مثله كمثل الفخار الذي يكسر فلا يعاد إلى حاله، لانه لا توبة له بعد الموت ولا في ساعته، نسأل الله الثبات على ما من به علينا، وأن يزيد في إحسانه إلينا فإنما نحن له ومنه.

14 - أخبرنا علي بن أحمد قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: حدثنا محمد بن موسى، عن أحمد بن أبى أحمد(1)، عن إبراهيم بن هلال قال: " قلت لابي - الحسن(عليه السلام): جعلت فداك مات أبى على هذا الامر، وقد بلغت من السنين ما قد ترى أموت ولا تخبرني بشئ، فقال:

يا أبا إسحاق أنت تعجل؟

فقلت: إي والله أعجل ومالى لا أعجل وقد [كبر سني و] بلغت أنا من السن ما قد ترى، فقال:

أما والله يا أبا إسحاق ما يكون ذلك حتى تميزوا وتمحصوا، وحتى لا يبقى منكم إلا الاقل، ثم صعر كفه ".

15 - وأخبرنا علي بن أحمد قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: حدثنا محمد بن الحسين، عن صفوان بن يحيى قال: قال أبوالحسن الرضا(عليه السلام):

" والله لا يكون ما تمدون إليه أعينكم حتى تمحصوا وتميزوا، وحتى لا يبقى منكم إلا الاندر فالاندر ".

16 - وأخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد قال: حدثنا أبوعبدالله جعفر بن عبدالله


(1) في بعض النسخ " موسى بن محمد " ولعل ما في المتن هو الصواب والمراد به محمد بن موسى بن عيسى أبو جعفر الهمدانى، وأما أحمد بن أبى احمد فهو أحمد بن أبى أحمد الوراق الجرجانى كما صرح به المؤلف في باب علائم الظهور تحت رقم 38.وتكلمنا فيه هناك.

المحمدي، من كتابه في سنة ثمان وستين ومائتين، قال: حدثنا محمد بن منصور الصيقل، عن أبيه، قال:

" دخلت على أبى جعفر الباقر(عليه السلام)(1) وعنده جماعة فبينا نحن نتحدث وهو على بعض أصحابه مقبل إذ التفت إلينا وقال: في أي شئ أنتم(2) هيهات هيهات لا يكون الذي تمدون إليه أعناقكم حتى تمحصوا، [هيهات] ولا يكون الذي تمدون إليه أعناقكم حتى تميزوا، ولا يكون الذي تمدون إليه أعناقكم حتى تغربلوا، ولا يكون الذي تمدون إليه أعناقكم إلا بعد إياس، ولا يكون الذي تمدون إليه أعناقكم حتى يشقى من شقي ويسعد من سعد "(3).

وحدثنا محمد بن يعقوب، عن محمد بن الحسن ; وعلى بن محمد، عن سهل بن زياد، عن محمد بن سنان، عن محمد بن منصور الصيقل، عن أبيه، قال: " كنت أنا والحارث بن المغيرة وجماعة من أصحابنا جلوسا عند أبي جعفر(عليه السلام) يسمع كلامنا(4) قال

- وذكر مثله إلا أنه يقول في كل مرة: " لا والله ما يكون ما تمدون إليه أعينكم - بيمين - "(5).

17 - أخبرنا أبو سليمان أحمد بن هوذة بن أبي هراسة الباهلي قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق النهاوندي، قال: حدثنا عبدالله بن حماد الانصاري، عن صباح المزني، عن الحارث بن حصيرة، عن الاصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنه قال:

" كونوا كالنحل في الطير، ليس شئ من الطير إلا وهو يستضعفها، ولو


(1) كذا في النسخ، والظاهر كونه تصحيف " أبى عبدالله جعفر بن محمد عليهما السلام " كما يظهر من غيبة الشيخ والكافى.
(2) الظاهر أن كلامهم يدور حول ظهور الحق، وقيام الامام الذى جعله الله للناس اماما، ورفع التقية بكثرة الشيعة.
(3) في الكافى " يشقى من يشقى ويسعد من يسعد ".ومد الاعناق أوالاعين إلى الشئ كناية عن رجاء حصوله.
والاياس: القنوط.
(4) كذا، وفى الكافى ج 1 ص 370 " جلوسا وأبوعبدالله عليه السلام يسمع كلامنا ".
(5) يعنى ذكر قبل كل جملة " لا والله ".

علمت الطير ما في أجوافها من البركة لم تفعل بها ذلك(1)، خالطوا الناس بألسنتكم وأبدانكم، وزايلوهم بقلوبكم وأعمالكم(2)، فو الذي نفسي بيده ما ترون ما تحبون حتى يتفل بعضكم في وجوه بعض، وحتى يمسى بعضكم بعضا كذابين، وحتى لا يبقى منكم - أو قال من شيعتى - إلا كالكحل في العين، والملح في الطعام(3) وسأضرب لكم مثلا، وهو مثل رجل كان له طعام فنقاه وطيبه، ثم أدخله بيتا وتركه فيه ماشاء الله، ثم عاد إليه فإذا هو قد أصابه السوس(4)، فأخرجه ونقاه وطيبه، ثم أعاده إلى البيت فتركه ما شاء الله، ثم عاد إليه فإذا هو قد أصابته طائفة من السوس فأخرجه ونقاه وطيبه وأعاده، ولم يزل كذلك حتى بقيت منه رزمة كرزمة الاندر لايضره السوس شيئا، وكذلك أنتم تميزون حتى لا يبقى منكم إلا عصابة لا تضرها الفتنة شيئا "(5).

حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد قال: حدثنا علي بن الحسن التيملي، قال: حدثنا محمد وأحمد ابنا الحسن، عن أبيهما، عن ثعلبة بن ميمون، عن أبى كهمس وغيره رفع الحديث إلى أمير المؤمنين(عليه السلام) وذكر مثله، وقد ذكر هذا الحديث في صدر هذا الكتاب(6).

18 - حدثنا عبدالواحد بن عبدالله بن يونس قال: حدثنا أحمد بن محمد بن رباح الزهري الكوفي، قال: حدثنا محمد بن العباس بن عيسى الحسني(7)، عن الحسن بن على البطائني، عن أبيه، عن أبى بصير قال: قال أبوجعفر محمد بن علي الباقر(عليهما السلام):


(1) أى لم تفعل بها ما تفعل من عدم التعرض لها.

(2) هذا معنى قولهم " كن في الناس ولا تكن مع الناس ".
(3) التشبيه من حيث القلة، فكما أن الملح في الطعام بالنسبة إلى مواده الآخر اقل كذلك أنتم بالنسبة إلى باقى الناس.
(4) السوس: العت وهو دود يقع في الصوف والخشب والثياب والبر ونحوها فيفسدها.
(5) الظاهر أن المراد بالفتنة الغيبة وطول مدتها مع تظاهر الزمان على معتقديها.
(6) تقدم في مقدمة المؤلف ص 26.
(7) كذا في أكثرالنسخ، وفى بعضها " الحسينى " وفى بعضها " الجنبى ".

" إنما مثل شيعتنا مثل أندر - يعنى بيدرا فيه طعام(1) - فأصابه آكل فنقي، ثم أصابه آكل فنقي حتى بقي منه ما لا يضره الآكل، وكذلك شيعتنا يميزون ويمحصون حتى تبقى منهم عصابة لا تضرها الفتنة ".

19 - حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد ابن عقدة قال: حدثنا جعفر بن عبدالله المحمدى، قال: حدثني شريف بن سابق التفليسي، عن الفضل بن أبى قرة التفليسي عن جعفر بن محمد، عن أبيه(عليهما السلام) أنه قال:

" المؤمنون يبتلون، ثم يميزهم الله عنده إن الله لم يؤمن المؤمنين من بلاء الدنيا ومرائرها، ولكن أمنهم فيها من العمى والشقاء في الآخرة، ثم قال: كان علي بن الحسين بن علي(عليهم السلام) يضع قتلاه بعضهم إلى بعض، ثم يقول: قتلانا قتلى النبيين "(2).

20 - حدثنا علي بن الحسين قال: حدثنا محمد بن يحيى العطار، قال: حدثنا محمد بن حسان الرازي، عن محمد بن على الكوفي، عن الحسن بن محبوب، قال: حدثنا عبدالله بن جبلة،عن علي بن أبي حمزة، عن أبى عبدالله(عليه السلام) أنه قال:

لو قد قام القائم(عليه السلام) لانكره الناس لانه يرجع إليهم شابا موفقا لا يثبت عليه إلا مؤمن قد أخذ الله ميثاقه في الذر الاول ".

وفي هذا الحديث عبرة لمعتبر وذكرى لمتذكر متبصر، وهو قوله: " يخرج إليهم شابا موفقا لا يثبت عليه إلا مؤمن قد أخذ الله ميثاقه في الذر الاول " فهل يدل هذا إلا على أن الناس يبعدون هذه المدة من العمر ويستطيلون المدى في ظهوره وينكرون تأخره ويأيسون منه فيطيرون يمينا وشمالا كما قالوا(عليهم السلام)، تتفرق بهم المذاهب وتتشعب لهم طرق الفتن، ويغترون بلمع السراب من كلام المفتونين، فإذا ظهر لهم بعد السنين التى يوجب مثلها فيمن بلغه الشيخوخة والكبر وحنو الظهر وضعف القوى شابا موفقا أنكره من كان في قلبه مرض، وثبت عليه من سبقت له من الله الحسنى بما وفقه عليه وقدمه إليه من العلم بحاله، وأوصله إلى هذه الروايات من قول الصادقين(عليهم السلام) فصدقها وعمل بها، وتقدم علمه بما يأتي من أمر الله وتدبيره فارتقبه غير شاك ولا مرتاب ولا متحير، ولا مغتر بزخارف إبليس وأشياعه، والحمد لله الذي جعلنا ممن أحسن إليه وأنعم عليه وأوصله من العلم إلى ما لا يوصل إليه غيره، إيجابا للمنة، واختصاصا بالموهبة، حمدا يكون لنعمه كفاء ولحقه أداء.


(1) في بعض النسخ " بعنى به بيتا فيه طعام ".
(2) " قتلى " جمع القتيل بمعنى المقتول، والمراد قتلى يوم الطف.