الصفحة الرئسية | هوية الشبكة | مراسلات |


فصل في الغيبة

إعلم أن لنا في الكلام في غيبة صاحب الزمان عليه السلام طريقين.

أحدهما: أن نقول: إذا ثبت وجوب الامامة في كل حال، وأن الخلق مع كونهم غير معصومين لا يجوز أن يخلو من رئيس في وقت من الاوقات، وأن من شرط الرئيس أن يكون مقطوعا على عصمته، فلا يخلو ذلك الرئيس من أن يكون ظاهرا معلوما، أو غائبا مستورا، فإذا علمنا أن كل من يدعي له الامامة ظاهرا ليس بمقطوع على عصمته، بل ظاهر أفعالهم وأحوالهم ينافي العصمة، علمنا أن من يقطع على عصمته غائب مستور.
وإذا علمنا أن كل من يدعي له العصمة قطعا من هو غائب من الكيسانية والناووسية والفطحية والواقفة وغيرهم قولهم باطل، علمنا بذلك صحة إمامة ابن الحسن عليه السلام وصحة غيبته وولايته، ولا نحتاج إلى تكلف الكلام في إثبات ولادته، وسبب غيبته، مع ثبوت ما ذكرناه، لان الحق لا يجوز خروجه عن الامة.
والطريق الثاني: أن نقول: الكلام في غيبة ابن الحسن عليه السلام فرع على ثبوت إمامته، والمخالف لنا إما أن يسلم لنا إمامته ويسأل عن سبب غيبته عليه السلام فنتكلف جوابه، أو لا يسلم لنا إمامته فلا معنى لسؤاله عن غيبة من لم يثبت إمامته، ومتى نوزعنا في ثبوت إمامته دللنا عليها بأن نقول: قد ثبت وجوب الامامة مع بقاء التكليف على من ليس بمعصوم في جميع الاحوال والاعصار بالادلة القاهرة، وثبت أيضا أن من شرط الامام أن يكون مقطوعا على عصمته وعلمنا أيضا أن الحق لا يخرج عن الامة.
فإذا ثبت ذلك وجدنا الامة بين أقوال: بين قائل يقول: لا إمام، فما ثبت من وجوب الامامة في كل حال يفسد قوله.

وقائل يقول: بإمامة من ليس بمقطوع على عصمته، فقوله يبطل بما دللنا عليه من وجوب القطع على عصمة الامام عليه السلام.

ومن ادعى العصمة لبعض من يذهب إلى إمامته، فالشاهد يشهد بخلاف قوله، لان أفعالهم الظاهرة وأحوالهم تنافي العصمة، فلا وجه لتكلف القول فيما نعلم ضرورة خلافه.

ومن ادعيت له العصمة وذهب قوم إلى إمامته كالكيسانية القائلين بإمامة محمد بن الحنفية، والناووسية القائلين بإمامة جعفر بن محمد عليه السلام، وأنه لم يمت والواقفية الذين قالوا: إن موسى بن جعفر عليه السلام لم يمت، فقولهم باطل من وجوه سنذكرها.

فصار الطريقان محتاجين إلى فساد قول هذه الفرق ليتم ما قصدناه ويفتقران إلى إثبات الاصول (الثلاثة) التي ذكرناها من وجوب الرئاسة، ووجوب القطع على العصمة، وأن الحق لا يخرج عن الامة، ونحن ندل على كل واحد من هذه الاقوال بموجز من القول لان استيفاء ذلك موجود في كتبي في الامامة على وجه لا مزيد عليه.
والغرض بهذا الكتاب ما يختص الغيبة دون غيرها والله الموفق لذلك بمنه.

والذي يدل على وجوب الرئاسة ما ثبت من كونها لطفا في الواجبات العقلية فصارت واجبة، كالمعرفة التي لا يعرى مكلف من وجوبها عليه، ألا ترى أن من المعلوم أن من ليس بمعصوم من الخلق متى خلوا من رئيس مهيب يردع المعاند ويؤدب الجاني، ويأخذ على يد المتغلب، ويمنع القوي من الضعيف، وأمنوا ذلك، وقع الفساد، وانتشر الحيل، وكثر الفساد، وقل الصلاح، ومتى كان لهم رئيس هذه صفته كان الامر بالعكس من ذلك، من شمول الصلاح وكثرته، وقلة الفساد ونزارته، والعلم بذلك ضروري لا يخفى على العقلاء، فمن دفعه لا يحسن مكالمته، وأجبنا عن كل ما يسأل على ذلك مستوفى في تلخيص الشافي وشرح الجمل لا نطول بذكره ها هنا.

ووجدت لبعض المتأخرين كلاما اعترض به كلام المرتضى (ره) في الغيبة وظن أنه ظفر بطائل فموه به على من ليس له قريحة ولا بصر بوجوه النظر وأنا أتكلم عليه.فقال: الكلام في الغيبة والاعتراض عليها من ثلاثة أوجه.
أحدها: أنا نلزم الامامية ثبوت وجه قبح فيها أو في التكليف معها فيلزمهم أن يثبوا أن الغيبة ليس فيها وجه قبح، لان مع ثبوت وجه القبح تقبح الغيبة، وإن ثبت فيها وجه حسن كما نقول في قبح تكليف ما لا يطاق (أن فيه وجه قبح) وإن كان فيه وجه حسن بأن يكون لطفا لغيره.

والثاني: أن الغيبة تنقض طريق وجوب الامامة في كل زمان، لان كون الناس مع رئيس مهيب متصرف أبعد من القبيح لو اقتضى كونه لطفا واجبا في كل حال، وقبح التكليف مع فقده لانتقض بزمان الغيبة، لانا في زمان الغيبة نكون مع رئيس هذه صفته أبعد من القبيح، وهو دليل وجوب هذه الرئاسة، ولم يجب وجود رئيس هذه صفته في زمان الغيبة ولا قبح التكليف مع فقده، فقد وجد الدليل ولا مدلول وهذا نقض الدليل.
والثالث: أن يقال: إن الفائدة بالامامة هي كونه مبعدا من القبيح على قولكم، وذلك لا يحصل مع وجوده غائبا فلم ينفصل وجوده من عدمه، وإذا لم يختص وجوده غائبا بوجه الوجوب الذي ذكروه لم يقتض دليلكم وجوب وجوده مع الغيبة، فدليلكم مع أنه منتقض حيث وجد مع انبساط اليد، ولم يجب انبساط اليد مع الغيبة، فهو غير متعلق بوجود إمام غير منبسط اليد ولا هو حاصل في هذه الحال.

الكلام عليه أن نقول: أما الفصل الاول من قوله: " إنا نلزم الامامية أن يكون في الغيبة وجه قبح " وعيد منه محض لا يقترن به حجة، فكان ينبغي أن يتبين وجه القبح الذي أراد إلزامه إياهم لننظر فيه ولم يفعل، فلا يتوجه وعيده.

وإن قال ذلك سائلا على وجه: " ما أنكرتم أن يكون فيها وجه قبح ".

فإنا نقول: وجوه القبح معقولة من كون الشئ ظلما وعبثا وكذبا ومفسدة وجهلا وليس شئ من ذلك موجودا ها هنا، فعلمنا بذلك انتفاء وجود القبح.

فإن قيل: وجه القبح أنه لم يزح علة المكلف على قولكم، لان انبساط يدهالذي هو لطف في الحقيقة والخوف من تأديبه لم يحصل، فصار ذلك إخلالا بلطف المكلف فقبح لاجله.

قلنا: (قد) بينا في باب وجوب الامامة بحيث أشرنا إليه أن انبساط يده عليه السلام والخوف من تأديبه إنما فات المكلفين لما يرجع إليهم، لانهم أحوجوه إلى الاستتار بأن أخافوه ولم يمكنوه فأتوا من قبل نفوسهم.
وجرى ذلك مجرى أن يقول قائل: " من لم يحصل له معرفة الله تعالى في تكليفه وجه قبح " لانه لم يحصل ما هو لطف له من المعرفة، فينبغي أن يقبح تكليفه.

فما يقولونه ها هنا من أن الكافر أتي من قبل نفسه، لان الله قد نصب له الدلالة على معرفة ومكنه من الوصول إليها، فإذا لم ينظر ولم يعرف أتي في ذلك من قبل نفسه ولم يقبح ذلك تكليفه، فكذلك نقول: إنبساط يد الامام وإن فات المكلف فإنما أتي من قبل نفسه، ولو مكنه لظهر وانبسطت يده فحصل لطفه فلم يقبح تكليفه، لان الحجة عليه لا له.

وقد استوفينا نظائر ذلك في الموضع الذي أشرنا إليه، وسنذكر فيما بعد إذا عرض ما يحتاج إلى ذكره.
وأما الكلام في الفصل الثاني: فهو مبني على المغالطة ولا نقول: إنه لم يفهم ما أورده، لان الرجل كان فوق ذلك لكن أراد التلبيس والتمويه (في قوله): إن دليل وجوب الرئاسة ينتقض بحال الغيبة، لان كون الناس مع رئيس مهيب متصرف أبعد من القبيح لو اقتضى كونه لطفا واجبا على كل حال وقبح التكليف مع فقده لانتقض بزمان الغيبة [لانا في زمان الغيبة] فلم يقبح التكليف مع فقده، فقد وجد الدليل ولا مدلول وهذا نقض.

وإنما قلنا: إنه تمويه لانه ظن أنا نقول: إن في حال الغيبة دليل وجوب الامامة قائم ولا إمام فكان نقضا، ولا نقول ذلك، بل دليلنا في حال وجود الامام بعينه هو دليل حال غيبته، في أن في الحالين الامام لطف فلا نقول: إن زمان الغيبة خلا من وجوب رئيس، بل عندنا أن الرئيس حاصل، وإنما ارتفع انبساط يده لما يرجع إلى المكلفين على ما بيناه، لا لان انبساط يده خرج من كونه لطفا بل وجه اللطف به قائم، وإنما لم يحصل لما يرجع إلى غير الله.

فجرى مجرى أن يقول قائل: كيف يكون معرفة الله تعالى لطفا مع أن الكافر لا يعرف الله، فلما كان التكليف على الكافر قائما والمعرفة مرتفعة دل على أن المعرفة ليست لطفا على كل حال لانها لو كانت كذلك لكان ذلك نقضا.

وجوابنا في الامامة كجوابهم في المعرفة من أن الكافر لطفه قائم بالمعرفة وإنما فوت نفسه بالتفريط في النظر المؤدي إليها فلم يقبح تكليفه، فكذلك نقول: الرئاسة لطف للمكلف في حال الغيبة، وما يتعلق بالله من إيجاده حاصل، وإنما ارتفع تصرفه وانبساط يده لامر يرجع إلى المكلفين فاستوى الامران، والكلام في هذه المعنى مستوفى أيضا بحيث ذكرناه.

وأما الكلام في الفصل الثالث: من قوله: إن الفائدة بالامامة هي كونه مبعدا من القبيح على قولكم، وذلك لم يحصل مع غيبته، فلم ينفصل وجوده من عدمه، فإذا لم يختص وجوده غائبا بوجه الوجوب الذي ذكروه لم يقتض دليلكم وجوب وجوده مع الغيبة، فدليلكم مع أنه منتقض حيث وجد مع انبساط اليد، ولم يجب انبساط اليد مع الغيبة، فهو غير متعلق بوجود إمام غير منبسط اليد ولا هو حاصل في هذه الحال.
فإنا نقول: إنه لم يفعل في هذا الفصل أكثر من تعقيد القول على طريقة المنطقيين من قلب المقدمات ورد بعضها على بعض، ولا شك أنه قصد بذلك المتويه والمغالطة، وإلا فالامر أوضح من أن يخفى.

ومتى قالت الامامية: إن انبساط يد الامام لا يجب في حال الغيبة حتى يقول: دليلكم لا يدل على وجوب إمام غير منبسط اليد، لان هذه حال الغيبة، بل الذي صرحنا به دفعة بعد أخرى أن انبساط يده واجب في الحالين (في) حال ظهوره وحال غيبته، غير أن حال ظهوره مكن منه فانبسطت يده وحال الغيبة لم يمكن فانقبضت يده، لا أن انبساط يده خرج من باب الوجوب.

وبينا أن الحجة بذلك قائمة على المكلفين من حيث منعوه ولم يمكنوه فأتوا من قبل نفوسهم، وشبهنا ذلك بالمعرفة دفعة بعد أخرى.

وأيضا فانا نعلم أن نصب الرئيس واجب بعد الشرع لما في نصبه من اللطف لتحمله للقيام بما لا يقوم به غيره، ومع هذا فليس التمكين واقعا لاهل الحل والعقد من نصب من يصلح لها خاصة على مذهب أهل العدل الذين كلامنا معهم، ومع هذا لا يقول أحد: إن وجوب نصب الرئيس سقط الآن من حيث لم يقع التمكين منه.

فجوابنا في غيبة الامام جوابهم في منع أهل الحل والعقد من اختيار من يصلح للامامة، ولا فرق بينهما فإنما الخلاف بيننا أنا قلنا: علمنا ذلك عقلا، وقالوا ذلك معلوم شرعا، وذلك فرق من غير موضع الجمع.
فإن قيل: أهل الحل والعقد إذا لم يمكنوا من اختيار من يصلح للامامة فإن الله يفعل ما يقوم مقام ذلك من الالطاف فلا يجب إسقاط التكليف، وفي الشيوخ من قال إن الامام يجب نصبه في الشرع لمصالح دنياوية، وذلك غير واجب أن يفعل لها اللطف.

قلنا: أما من قال: نصب الامام لمصالح دنياوية قوله يفسد: لانه لو كان كذلك لما وجب إمامته، ولا خلاف بينهم في أنه يجب إقامة الامام مع الاختيار.

على أن ما يقوم به الامام من الجهاد وتولية الامراء والقضاة وقسمة الفئ واستيفاء الحدود والقصاصات أمور دينية لا يجوز تركها، ولو كان لمصلحة دنياوية لما وجب ذلك، فقوله ساقط بذلك.وأما من قال: يفعل الله ما يقوم مقامه باطل، لانه لو كان كذلك لما وجب عليه إقامة الامام مطلقا على كل حال، ولكان يكون ذلك من باب التخيير، كما نقول في فروض الكفايات.وفي علمنا بتعيين ذلك ووجوبه على كل حال دليل على فساد ما قالوه.على أنه يلزم على الوجهين جميعا المعرفة.


بأن يقال: الكافر إذا لم يحصل له المعرفة يفعل الله له ما يقوم مقامها، فلا يجب عليه المعرفة على كل حال.
أو يقال: إن ما يحصل من الانزجار عن فعل الظلم عند المعرفة أمر دنياوي لا يجب لها المعرفة، فيجب من ذلك إسقاط وجوب المعرفة، ومتى قيل: إنه لا بدل للمعرفة، قلنا: وكذلك لا بدل للامام على ما مضى - وذكرناه في تلخيص الشافي - وكذلك إن بينوا أن الانزجار من القبيح عند المعرفة أمر ديني قلنا: مثل ذلك في وجود الامام سواء.

فإن قيل: لا يخلو وجود رئيس مطاع منبسط اليد من أن يجب على الله جميع ذلك أو يجب علينا جميعه أو يجب على الله إيجاده وعلينا بسط يده.

فإن قلتم: يجب جميع ذلك على الله، فإنه ينتقض بحال الغيبة لانه لم يوجد إمام منبسط اليد، وإن وجب علينا جميعه فذلك تكليف ما لا يطاق، لانا لا نقدر على إيجاده، وإن وجب عليه إيجاده وعلينا بسط يده وتمكينه فما دليلكم عليه، مع أن فيه أنه يجب علينا أن نفعل ما هو لطف للغير، وكيف يجب على زيد بسط يد الامام لتحصيل لطف عمرو، وهل ذلك إلا نقض الاصول.

قلنا: الذي نقوله أن وجود الامام المنبسط اليد إذا ثبت أنه لطف لنا على ما دللنا عليه ولم يكن إيجاده في مقدورنا لم يحسن أن نكلف إيجاده لانه تكليف ما لا يطاق، وبسط يده وتقوية سلطانه قد يكون في مقدورنا وفي مقدور الله، فإذا لم يفعل الله تعالى علمنا أنه غير واجب عليه وأنه واجب علينا، لانه لابد من أن يكون منبسط اليد ليتم الغرض بالتكليف، وبينا بذلك أن بسط يده لو كان من فعله تعالى لقهر الخلق عليه، والحيلولة بينه وبين أعدائه وتقوية أمره بالملائكة ربما أدى إلى سقوط الغرض بالتكليف، وحصول الالجاء، فإذا يجب علينا بسط يده على كل حال وإذا لم نفعله أتينا من قبل نفوسنا.

فأما قولهم: في ذلك إيجاب اللطف علينا للغير غير صحيح.

لانا نقول: إن كل من يجب عليه نصرة الامام وتقوية سلطانه له في ذلك مصلحة تخصه، وإن كانت فيه مصلحة يرجع إلى غيره كما نقوله في أن الانبياء يجب عليهم تحمل أعباء النبوة والاداء إلى الخلق ما هو مصلحة لهم، لان لهم في القيام بذلك مصلحة تخصهم وإن كانت فيها مصلحة لغيرهم.
ويلزم المخالف في أهل الحل والعقد بأن يقال: كيف يجب عليهم اختيار الامام لمصلحة ترجع إلى جميع الامة، وهل ذلك إلا إيجاب الفعل عليهم لما يرجع إلى مصلحة غيرهم، فأي شئ أجابوا به فهو جوابنا بعينه سواء.
فإن قيل: لم زعمتم أنه يجب إيجاده في حال الغيبة وهلا جاز أن يكون معدوما.

قلنا: إنما أوجبنا [ذلك] من حيث إن تصرفه الذي هو لطفنا إذا لم يتم إلا بعد وجوده وإيجاده لم يكن في مقدورنا، قلنا عند ذلك: أنه يجب على الله ذلك وإلا أدى إلى أن لا نكون مزاحي العلة بفعل اللطف فنكون أتينا من قبله تعالى لا من قبلنا، وإذا أوجده ولم نمكنه من انبساط يده أتينا من قبل نفوسنا فحسن التكليف وفي الاول لم يحسن.

فإن قيل: ما الذي تريدون بتمكيننا إياه ؟ أتريدون أن نقصده ونشافهه وذلك لا يتم إلا مع وجوده.
قيل لكم: لا يصح جميع ذلك إلا مع ظهوره وعلمنا أو علم بعضنا بمكانه.

وإن قلتم: نريد بتمكيننا أن نبخع لطاعته والشد على يده، ونكف عن نصرة الظالمين، ونقوم على نصرته متى دعانا إلى إمامته ودلنا عليها بمعجزته.

قلنا لكم: فنحن يمكننا ذلك في زمان الغيبة وإن لم يكن الامام موجودا فيه، فكيف قلتم لا يتم ما كلفناه من ذلك إلا مع وجود الامام.

قلنا: الذي نقوله في هذا الباب ما ذكره المرتضى رحمه الله في الذخيرة وذكرناه في تلخيص الشافي أن الذي هو لطفنا من تصرف الامام وانبساط يده لا يتم إلا بأمور ثلاثة.

أحدها: يتعلق بالله وهو إيجاده.

والثاني: يتعلق به من تحمل أعباء الامامة والقيام بها.

والثالث: يتعلق بنا من العزم على نصرته، ومعاضدته، والانقياد له، فوجوب تحمله عليه فرع على وجوده، لانه لا يجوز أن يتناول التكليف المعدوم، فصار إيجاد الله إياه أصلا لوجوب قيامه، وصار وجوب نصرته علينا فرعا لهذين الاصلين لانه إنما يجب علينا طاعته إذا وجد، وتحمل أعباء الامامة وقام بها،
فحينئذ يجب علينا طاعته، فمع هذا التحقيق كيف يقال: لم لا يكون معدوما.

فإن قيل: فما الفرق بين أن يكون موجودا مستترا (حتى إذا علم الله منا تمكينه أظهره، وبين أن يكون) معدوما حتى إذا علم منا العزم على تمكينه أوجده.

قلنا: لا يحسن من الله تعالى أن يوجب علينا تمكين من ليس بموجود لانه تكليف ما لا يطاق، فإذا لابد من وجوده.
فإن قيل: يوجده الله تعالى إذا علم أنا ننطوي على تمكينه بزمان واحد كما أنه يظهره عند مثل ذلك.
قلنا: وجوب تمكينه والانطواء على طاعته لازم في جميع أحوالنا، فيجب أن يكون التمكين من طاعته والمصير إلى أمره ممكنا في جميع الاحوال وإلا لم يحسن التكليف، وإنما كان يتم ذلك لو لم نكن مكلفين في كل حال لوجوب طاعته والانقياد لامره، بل كان يجب علينا عند ظهوره والامر عندنا بخلافه.
ثم يقال لمن خالفنا في ذلك وألزمنا عدمه على استتاره: لم لا يجوز أن يكلف الله تعالى المعرفة ولا ينصب عليها دلالة إذا علم أنا لا ننظر فيها، حتى إذا علم من حالنا أنا نقصد إلى النظر ونعزم على ذلك أوجد الادلة ونصبها، فحينئذ ننظر ونقول ما الفرق بين دلالة منصوبة لا ننظر فيها وبين عدمها حتى إذا عزمنا على النظر فيها أوجدها الله تعالى.

ومتى قالوا: نصب الادلة من جملة التمكين الذي لا يحسن التكليف من دونه كالقدرة والآلة.
قلنا: وكذلك وجود الامام عليه السلام من جملة التمكين من وجوب طاعته، ومتى لم يكن موجودا لم تمكنا طاعته، كما أن الادلة إذا لم تكن موجودة لم يمكنا النظر فيها فاستوى الامران.

وبهذا التحقيق يسقط جميع ما يورد في هذا الباب من عبارات لا نرتضيها في الجواب وأسئلة المخالف عليها، وهذا المعنى مستوفى في كتبي وخاصة في تلخيص الشافي فلا نطول بذكره.

والمثال الذي ذكره من أنه لو أوجب الله علينا أن نتوضأ من ماء بئر معينة لم يكن لها حبل نستقي به، وقال لنا: إن دنوتم من البئر خلقت لكم حبلا تستقون به [من] الماء، فإنه يكون مزيحا لعلتنا، ومتى لم ندن من البئر كنا قد أتينا من قبل نفوسنا لا من قبله تعالى.

وكذلك لو قال السيد لعبده وهو بعيد منه: اشتر لي لحما من السوق، فقال: لا أتمكن من ذلك لانه ليس معي ثمنه، فقال: إن دنوت أعطيتك ثمنه، فإنه يكون مزيحا لعلته، ومتى لم يدن لاخذ الثمن يكون قد أتي من قبل نفسه لا من قبل سيده، وهذه حال ظهور الامام مع تمكيننا فيجب أن يكون عدم تمكيننا هو السبب في أن لم يظهر في هذه الاحوال لا عدمه، إذ كنا لو مكناه عليه السلام لوجد وظهر.

قلنا: هذا كلام من يظن أنه يجب علينا تمكينه إذا ظهر ولا يجب علينا ذلك في كل حال، ورضينا بالمثال الذي ذكره، لانه تعالى لو أوجب علينا الاستقاء في الحال لوجب أن يكون الحبل حاصلا في الحال لان به تزاح العلة، لكن إذا قال: متى دنوتم من البئر خلقت لكم الحبل إنما هو مكلف للدنو لا للاستقاء فيكفي القدرة على الدنو في هذه الحال، لانه ليس بمكلف للاستقاء منها، فإذا دنا من البئر صار حينئذ مكلفا للاستقاء، فيجب عند ذلك أن يخلق له الحبل، فنظير ذلك أن لا يجب علينا في كل حال طاعة الامام وتمكينه فلا يجب عند ذلك وجوده، فلما كانت طاعته واجبة في الحال ولم نقف على شرطه ولا وقت منتظر وجب أن يكون موجودا لتزاح العلة في التكليف ويحسن.

والجواب: عن مثال السيد مع غلامه مثل ذلك لانه إنما كلفه الدنو منه لا الشراء، فإذا دنا منه وكلفه الشراء وجب عليه إعطاء الثمن.ولهذا قلنا: إن الله تعالى كلف من يأتي إلى يوم القيامة ولا يجب أن يكونوا موجودين مزاحي العلة لانه لم يكلفهم الآن، فإذا أوجدهم وأزاح علتهم في التكليف بالقدرة والآلة ونصب الادلة حينئذ تناولهم التكليف، فسقط بذلك هذه المغالطة.

على أن الامام إذا كان مكلفا للقيام بالامر وتحمل أعباء الامامة كيف يجوز أن يكون معدوما وهل يصح تكليف المعدوم عند عاقل، وليس لتكليفه ذلك تعلق بتمكيننا أصلا، بل وجوب التمكين علينا فرع على تحمله على ما مضى القول فيه، وهذا واضح.

ثم يقال لهم: أليس النبي صلى الله عليه وآله اختفى في الشعب ثلاث سنين لم يصل إليه أحد، واختفى في الغار ثلاثة أيام ولم يجز قياسا على ذلك أن يعدمه الله تعالى تلك المدة مع بقاء التكليف على الخلق الذين بعثه لطفا لهم.

ومتى قالوا: إنما اختفى بعدما دعا إلى نفسه وأظهر نبوته فلما أخافوه استتر.

قلنا: وكذلك الامام لم يستتر إلا وقد أظهر آباؤه موضعه وصفته، ودلوا عليه، ثم لما خاف عليه أبوه الحسن بن علي عليهم السلام أخفاه وستره، فالامران إذا سواء، ثم يقال لهم: خبرونا لو علم الله من حال شخص أن من مصلحته أن يبعث الله إليه نبيا معينا يؤدي إليه مصالحه وعلم أنه لو بعثه لقتله هذا الشخص، ولو منع من قتله قهرا كان فيه مفسدة له أو لغيره، هل يحسن أن يكلف هذا الشخص ولا يبعث إليه ذلك النبي، أو لا يكلف.
فإن قالوا: لا يكلف.

قلنا: وما المانع منه، وله طريق إلى معرفة مصالحه بأن يمكن النبي من الاداء إليه.

وإن قلتم: يكلفه ولا يبعث إليه.

قلنا: وكيف يجوز أن يكلفه ولم يفعل به ما هو لطف له مقدور.

فإن قالوا: أتي في ذلك من قبل نفسه.

قلنا: هو لم يفعل شيئا وإنما علم أنه لا يمكنه، وبالعلم لا يحسن تكليفه مع ارتفاع اللطف، ولو جاز ذلك لجاز أن يكلف ما لا دليل عليه إذا علم أنه لا ينظر فيه، وذلك باطل، ولابد أن يقال: إنه يبعث إلى ذلك الشخص ويوجب عليه الانقياد له ليكون مزيحا لعلته، فإما أن يمنع منه بما لا ينافي التكليف، أو يجعله بحيث لا يتمكن من قتله، فيكون قد أتي من قبل نفسه في عدم الوصول إليه، وهذه حالنا مع الامام في حال الغيبة سواء.
فإن قال: لابد أن يعلمه أن له مصلحة في بعثة هذا الشخص إليه على لسان غيره ليعلم أنه قد أتي من قبل نفسه.
قلنا: وكذلك أعلمنا الله على لسان نبيه صلى الله عليه وآله والائمة من آبائه عليهم السلام موضعه، وأوجب علينا طاعته، فإذا لم يظهر لنا علمنا أنا أتينا من قبل نفوسنا فاستوى الامران.

وأما الذي يدل على الاصل الثاني وهو أن من شأن الامام أن يكون مقطوعا على عصمته، فهو أن العلة التي لاجلها احتجنا إلى الامام ارتفاع العصمة، بدلالة أن الخلق متى كانوا معصومين لم يحتاجوا إلى إمام وإذا خلوا من كونهم معصومين احتاجوا إليه، علمنا عند ذلك أن علة الحاجة هي ارتفاع العصمة، كما نقوله في علة حاجة الفعل إلى فاعل أنها الحدوث، بدلالة أن ما يصح حدوثه يحتاج إلى فاعل في حدوثه، وما لا يصح حدوثه يستغني عن الفاعل، وحكمنا بذلك أن كل محدث يحتاج إلى محدث، فبمثل ذلك يجب الحكم بحاجة كل من ليس بمعصوم إلى إمام وإلا انتقضت العلة، فلو كان الامام غير معصوم لكانت علة الحاجة فيه قائمة واحتاج إلى إمام آخر، والكلام في إمامه كالكلام فيه، فيؤدي إلى إيجاب أئمة لا نهاية لهم أو الانتهاء إلى معصوم وهو المراد.

وهذه الطريقة قد أحكمناها في كتبنا فلا نطول بالاسئلة عليها لان الغرض بهذا الكتاب غير ذلك، وفي هذا القدر كفاية.

وأما الاصل الثالث وهو أن الحق لا يخرج عن الامة فهو متفق عليه بيننا وبين خصومنا وإن اختلفنا في علة ذلك.
لان عندنا أن الزمان لا يخلو من إمام معصوم لا يجوز عليه الغلط على ما قلناه، فإذا الحق لا يخرج عن الامة لكون المعصوم فيهم.

وعند المخالف لقيام أدلة يذكرونها دلت على أن الاجماع حجة، فلا وجه للتشاغل بذلك.
فإذا ثبتت هذه الاصول ثبت إمامة صاحب الزمان عليه السلام، لان كل من يقطع على ثبوت العصمة للامام قطع على أنه الامام، وليس فيهم من يقطع على عصمة الامام ويخالف في إمامته إلا قوم دل الدليل على بطلان قولهم كالكيسانية والناووسية والواقفة، فإذا أفسدنا أقوال هؤلاء ثبت إمامته عليه السلام.

[ أقول]: وأما الذي يدل على فساد قول الكيسانية القائلين بإمامة محمد بن الحنفية فأشياء.
منها: أنه لو كان إماما مقطوعا على عصمته لوجب أن يكون منصوصا عليه نصا صريحا لان العصمة لا تعلم إلا بالنص، وهم لا يدعون نصا صريحا [عليه] وإنما يتعلقون بأمور ضعيفة دخلت عليهم فيها شبهة لا تدل على النص، نحو إعطاء أمير المؤمنين عليه السلام إياه الراية يوم البصرة، وقوله له " أنت ابني حقا " مع كون الحسن والحسين عليهما السلام ابنيه وليس في ذلك دلالة على إمامته على وجه، وإنما يدل على فضيلته ومنزلته.
على أن الشيعة تروي أنه جرى بينه وبين علي بن الحسين عليهما السلام كلام في استحقاق الامامة فتحاكما إلى الحجر فشهد الحجر لعلي بن الحسين عليهما السلام بالامامة، فكان ذلك معجزا له فسلم له الامر وقال بإمامته.
1 - والخبر بذلك مشهور عند الامامية لانهم رووا أن محمد بن الحنفية نازع علي بن الحسين عليهما السلام في الامامة وادعى أن الامر أفضي إليه بعد أخيه الحسين عليه السلام، فناظره علي بن الحسين عليه السلام واحتج عليه بآي من القرآن كقوله: * (وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض) * وأن هذه الآية جرت في علي بن الحسين عليهما السلام وولده ثم قال له: أحاجك إلى الحجر الاسود، فقال له: كيف تحاجني إلى حجر لا يسمع ولا يجيب، فأعلمه أنه يحكم بينهما فمضيا حتى انتهيا إلى الحجر، فقال علي بن الحسين عليه السلام لمحمد بن الحنفية: تقدم فكلمه فتقدم إليه ووقف حياله وتكلم ثم أمسك، ثم تقدم علي بن الحسين عليه السلام فوضع يده عليه ثم قال: " اللهم إني أسألك باسمك المكتوب في سرادق العظمة " ثم دعا بعد ذلك وقال: لما أنطقت هذا الحجر، ثم قال: " أسألك بالذي جعل فيك مواثيق العباد والشهادة لمن وافاك لما أخبرت لمن الامامة والوصية " فتزعزع الحجر حتى كاد أن يزول، ثم أنطقه الله تعالى، فقال: يا محمد سلم الامامة لعلي بن الحسين، فرجع محمد عن منازعته وسلمها إلى علي بن الحسين عليهما السلام(1).

ومنها تواتر الشيعة الامامية بالنص عليه من أبيه وجده وهي موجودة في كتبهم في الاخبار لا نطول بذكرها الكتاب.
ومنها الاخبار الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله من جهة الخاصة والعامة على ما سنذكره فيما بعد بالنص على إمامة الاثني عشر، وكل من قال بإمامتهم قطع على وفاة محمد بن الحنفية وسياقة الامامة إلى صاحب الزمان عليه السلام.

ومنها انقراض هذه الفرقة فإنه لم يبق في الدنيا في وقتنا ولا قبله بزمان طويل قائل يقول به، ولو كان ذلك حقا لما جاز انقراضه.

فإن قيل: كيف يعلم انقراضهم وهلا جاز أن يكون في بعض البلاد البعيدة وجزائر البحر وأطراف الارض أقوام يقولون بهذا القول كما يجوز أن يكون في أطراف الارض من يقول بمذهب الحسن في أن مرتكب الكبيرة منافق فلا يمكن ادعاء انقراض هذه الفرقة وإنما كان يمكن العلم بذلك لو كان المسلمون فيهم


____________________________________
(1) عنه إثبات الهداة: 3 / 11 ح 14.

ورواه في بصائر الدرجات: 502 ح 3 ومختصر بصائر الدرجات: 14 والاحتجاج: 316 وأورده في إعلام الورى: 253

مناقب ابن شهر آشوب: 4 / 147 عن نوادر الحكمة لمحمد بن يحيى مختصرا.

وعنها البحار: 46 / 111 ح 2 - 4.

والعوالم: 18 / 271 ح 2.

وأخرجه في مختصر البصائر: 170 عن الكافي: 1 / 348 ح 5 وأورد نحوه في الخرائج: 1 / 257 ح 3 وله تخريجات أخر تركناها رعاية للاختصار، من أرادها فليراجع الخرائج.

قلة والعلماء محصورين فأما وقد انتشر الاسلام وكثر العلماء فمن أين يعلم ذلك.

قلنا: هذا يؤدي إلى أن لا يمكن العلم بإجماع الامة على قول ولا مذهب بأن يقال: لعل في أطراف الارض من يخالف ذلك ويلزم أن يجوز أن يكون في أطراف الارض من يقول: إن البرد لا ينقض الصوم وأنه يجوز للصائم أن يأكل إلى طلوع الشمس، لان الاول كان مذهب أبي طلحة الانصاري، والثانى مذهب حذيفة والاعمش، وكذلك مسائل كثيرة من الفقه كان الخلف فيها (واقعا) بين الصحابة والتابعين، ثم زال الخلف فيما بعد، واجتمع أهل الاعصار على خلافه، فينبغي أن يشك في ذلك ولا نثق بالاجماع على مسألة سبق الخلاف فيها، وهذا طعن من يقول إن الاجماع لا يمكن معرفته ولا التوصل إليه، والكلام في ذلك لا يختص هذه المسألة فلا وجه لايراده هنا.

ثم إنا نعلم أن الانصار طلبت الامرة ودفعهم المهاجرون عنها ثم رجعت الانصار إلى قول المهاجرين على قول المخالف، فلو أن قائلا قال : يجوز عقد الامامة لمن كان من الانصار لان الخلاف سبق فيه، ولعل في أطراف الارض من يقول به، فما كان يكون جوابهم فيه [فأي] شئ قالوه فهو جوابنا بعينه فلا نطول بذكره.
فإن قيل: إذا كان الاجماع عندكم إنما يكون حجة بكون المعصوم فيه، فمن أين تعلمون دخول قوله في جملة أقوال الامة ؟ (وهلا جاز أن يكون قوله منفردا عنهم فلا تثقون بالاجماع ؟) .

قلنا: المعصوم إذا كان من جملة علماء الامة فلابد [من] أن يكون قوله موجودا في جملة أقوال العلماء، لانه لا يجوز أن يكون منفردا مظهرا للكفر فإن ذلك لا يجوز عليه، فإذا لابد [من] أن يكون قوله في جملة الاقوال، وإن شككنا في أنه الامام.

فإذا اعتبرنا أقوال الامة ووجدنا بعض العلماء يخالف فيه، فإن كنا نعرفه ونعرف مولده ومنشأه لم نعتد بقوله لعلمنا أنه ليس بإمام، وإن شككنا في نسبه لم تكن المسألة إجماعا.

فعلى هذا أقوال العلماء من الامة اعتبرناها فلم نجد فيهم قائلا بهذا المذهب الذي هو مذهب الكيسانية أو الواقفة، وإن وجدنا فرضا واحدا أو اثنين فإنا نعلم منشأه ومولده فلا يعتد بقوله واعتبرنا أقوال الباقين الذين نقطع على كون المعصوم فيهم، فسقطت هذه الشبهة على هذا التحرير وبان وهنها .

فأما القائلون بإمامة جعفر بن محمد عليه السلام من الناووسية وأنه حي لم يمت وأنه المهدي فالكلام عليهم ظاهر، لانا نعلم موت جعفر بن محمد عليه السلام كما نعلم موت أبيه وجده عليهما السلام، وقتل علي عليه السلام، وموت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلو جاز الخلاف فيه لجاز الخلاف في جميع ذلك، ويؤدي إلى قول الغلاة والمفوضة الذين جحدوا قتل علي والحسين عليهما السلام وذلك سفسطة .

وسنشبع الكلام في ذلك عند الكلام على الواقفة (والناووسية) إن شاء الله تعالى.

تمهيد الائمة(ع) لغيبة المهدي (عليه السلام)


     من خلال البحث عرفنا أنّ الائمة صلوات الله عليهم هيأوا الاذهان، أذهان الامة لتقبل قضيّة غيبة المهدي سلام الله عليه، أنّكم يا معشر الناس ستواجهون إماماً يغيب عن أنظاركم، يعني أنّكم من عهد أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه إلى عهد الامام العسكري سلام الله عليه إمامكم بين ظهرانيكم وعلى رؤوسكم بمرأى ومسمع منكم، أما أنّكم ستواجهون إماماً هو الامام الثاني عشر سلام لله عليه، وهو إمام مغيّب عن الانظار، باعتبار أنّ هذه التجربة تجربة جديدة، فاجتمعت في الامام المهدي سلام الله عليه عدّة خصوصيات في واقع الامر، وخصوصيات في غاية الخطر، يعني فضلاً عن كونه الامام الثاني عشر.

     المسألة الاولى: مسألة مبكرية إمامته (عليه السلام)، وقد يقال إنّها ليست بالتجربة الجديدة، لان المبكرية في الامامة سبقه فيها جدّاه الجواد والهادي سلام لله عليهما، الامام الجواد تولّى الامامة وسنّه قرابة ثمان سنوات أو سبع سنوات، والامام الهادي أيضاً كذلك تولّى الامامة وسنّه قرابة ست سنوات، فربما يقال إنّ هذه المسألة أصبحت مأنوسة ومألوفة للامة، وكأن العناية الالهية درّبت الامة على قبول الامامة المبكّرة تدريجياً، فبدأت بامامة الجواد (عليه السلام) في ما يقارب ثماني سنوات، ثم الهادي (عليه السلام) في قرابة الست سنوات، ثم الامام المهدي (عليه السلام)في الخمس سنوات .


     المسألة الثانية: مسألة غيبته (عليه السلام)، إمام غائب بأي معنى؟ وكيف؟ ولماذا؟.


     والمسألة الثالثة: التي هي في غاية الخطر أيضاً: مسألة ظهوره صلوات الله وسلامه عليه، وإقامة الدولة الاسلامية العالمية التي يملا الله به الارض قسطاً وعدلاً بعد أن تُملا ظلماً وجوراً.
     هذه ملامح ثلاثة في غاية الخطر في شخصية صاحب الامر صلوات الله عليه، ومن جملة هذه الملامح نفس موضوع الغيبة:
     الغيبة تجربة جديدة للامّة، ربما الامة جرّبت غيبة قصيرة تمتد مثلاً أيام أو شهر لبعض السابقين صلوات الله عليهم، ولكن غيبة في تمام فترة الامام إلى أن يأذن الله في الفرج بهذا الطول وبهذا الشكل، هكذا تجربة لم تمرّ بها الامة الاسلاميّة سابقاً، فالامّة بحاجة إلى أن تألف هذه التجربة، بحاجة إلى أن تقنع بهذه التجربة، بحاجة إلى أن تسمع بها وتكون مأنوسة لها حتى لا تفاجأ بقضيّة غيبته، فلهذا كان الائمة الاطهار سلام الله عليهم (1) ، بل حتى في أحاديث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)في ما يرويه علماء الفريقين (1) في قضية صاحب الامر (عليه السلام)، هنالك لمحات كثيرة في قضية غيبته (عليه السلام).
____________
     1 ـ راجع كتاب الامام المهدي (عليه السلام) للسيد صدر الدين الصدر.

     الهدف من كل هذا الحشد من أحاديث الاشارة إلى غيبته هو تعبئة النفسية العامة أو الذهنية العامة لتقبل فكرة الامام الغائب سلام الله عليه، وأنّه حقيقة ستقع، لا أنّها مسألة في عالم الافتراض فقط.
     ثم الائمة سلام الله عليهم في نفس الوقت أيضاً أشاروا إلى بعض خصوصيات هذه الغيبة، مثلاً الامام العسكري سلام الله عليه في حديث من الاحاديث يقول: «عثمان بن سعيد العمري ـ يخاطب رجلاً ـ وكيلي وأنّ ابنه محمداً وكيل ابني مهديّكم» (2) ، حتى قضية السفير الثاني للامام المهدي سلام الله عليه كان أيضاً يتحدث عنه الامام العسكري (عليه السلام)، فلا يسعنا المجال الان للافاضة في هذه الجزئيات والخصوصيات، لكن من حيث المبدأ الائمة(عليهم السلام)كانوا يتدخلون في هذه المسألة ويخططون لها ويحاولون تحضير الذهنية العامة لفكرة الغيبة الصغرى، وحتى فكرة الغيبة الكبرى، لئلاّ تفاجأ الامّة.
     كما أنّ الغيبة الصغرى في نفسها عمليّة تهيئة وإعداد للامّة الاسلامية للتفاعل والاندماج مع الغيبة الكبرى، يعني كما أنّ الائمة هيأوا الناس لغيبة صغرى، كذلك هيأوهم للغيبة الكبرى، والغيبة الصغرى هي في نفسها وضعيّاً تهيّء الامة للغيبة الكبرى ، ولهذا بدأت العملية بالتدريج .
____________
     1 ـ راجع كتاب الامام المهدي (عليه السلام) في كتب اهل السنة .
     2 ـ الغيبة للطوسي: 356 ح 317.

     لاحظوا أن الامة لم تبدأ فيها بالغيبة الكبرى، إنّما بدأت بالغيبة الصغرى، يعني ما بدأ الامام يغيب عن الناس بلا سفراء، إنّما بدأ غيبته مع السفراء، لانّ الغيبة مع السفراء لا شك أنّها أقرب إلى أذهان الناس وأشدّ أُنساً لاذهان الناس، لا سيما مع ما سيأتي من أنّ هؤلاء السفراء أوّلهم نصّ عليه الامام الحاضر سابقاً، وهو الامام العسكري سلام الله عليه، وفي نفس الوقت هذا السفير نصّ على من بعده.
     فالامام العسكري (عليه السلام) نص على سفارة عثمان بن سعيد، وحضر مَن حضر من شيعة الامام من علماء الامة الاسلامية وشهدوا هذا النص من الامام سلام الله عليه، ثم الخواص الذين حضروا وشهدوا، سمعوا الامام المهدي صلوات الله عليه يقرّ نيابة وسفارة عثمان بن سعيد، فحصل اطمئنان حسّي بسفارة عثمان بن سعيد، ثم عثمان بن سعيد الذي قيل في حقه، «اسمعوا له وأطيعوا» ومما يسمع له ويطاع فيه هو نصه على من بعده، وممّا قال في مَنْ بعده أيضاً: اسمعوا له وأطيعوا، وهو ابنه محمد بن عثمان، ومحمد بن عثمان أيضاً قال: اسمعوا له وأطيعوا لمن يليه وهو الحسين بن روح، والحسين بن روح كذلك.  فاذن هنالك نص بهذه الطريقة بمحضر من علماء الامة. فالقضية كانت قضية حسّية، الذين شهدوا الامام سلام الله عليه افرض أنّهم الخواص، وكذلك مسألة النص على السفير، وأنّ السفير ـ هذه نقطة أخرى ـ حينما كان يواجه الامة كان يواجه الامة بتوقيعات الامام سلام الله عليه، وما كان يأتي بشيء من عند نفسه أو من اجتهاداته الشخصية مثلاً، إنّما كان يأتي للامة بكلام الامام سلام الله عليه، بمكتوبات الامام سلام الله عليه، بتوقيعاته.

 

 

تحديد مبدأ الغيبة الصغرى



     هنالك نقطة في تحديد مبدأ الغيبة الصغرى، هناك نظريات ثلاثة في مبدأ الغيبة الصغرى، ولعلّ هذا البحث بحث بكر:

     النظرية الاولى:

     الغيبة الصغرى إنّما بدأت بمولده (عليه السلام)، حيث كان مولده مبنيّاً على الكتمان، فكان الامام سلام الله عليه غائباً منذ ذلك الحين وإلى أن يظهر للعيان بشكل علني عام .
     نوقش في هذه النظرية: بأنّ الامام من مولده إلى وفاة أبيه الامام العسكري سلام الله عليه شهيداً، في هذه الفترة الامامة لم تكن له، وهذا خارج عن موضوع الغيبة التي نتحدث عنها، الحديث عن غيبته في فترة إمامته.
     لكن هذا الامر سهل، لانّ الفرض من الغيبة مطلق الغيبة، سواء غيبته في عصر إمامة أبيه سلام الله أو غيبته في عصر إمامته، الغرض ملفق من هذا وذاك بحيث المجموع يكون هذه الفترة من مولده (عليه السلام)إلى هذا المبدأ من مولده (عليه السلام) إلى وفاة آخر نائب من النواب الاربعة وهو أبو الحسن علي بن محمد السمري رحمه الله سنة ثلاثمائة وتسعة وعشرين، فاذا بدأنا سنة مائتين وخمس وخمسين، سنة مولد المهدي سلام الله عليه، إلى سنة ثلاثمائة وتسعة وعشرين، يعني قرابة أربعة وسبعين سنة، هذا التحديد طبق النظرية التي ذهب إليها الشيخ المفيد رحمه الله.
     والمناقشة في هذه النظرية لا من هذه الجهة التي ذكرها البعض، بل المناقشة من جهة أخرى: أنّه ظاهر جملة من الروايات أنّ الامام سلام الله عليه لم يكن غائباً بالمعنى المتعارف منذ ولادته، نعم كان محفوظاً إلاّ عن الخاصّة، وكان هناك تكتم على اللقاء به على الاجمال بالنحو أن لا يطلع عليه كلّ الناس ، وكانت هناك محدوديّة في قضية رؤيته، أما غيبة بتمام المعنى وبالمعنى الذي نفهمه بحسب الظاهر من مولده لم تشرع، والدليل ما ذكرناه من جملة من الروايات: أن الامام سلام الله عليه كان يأتي إليه مجاميع من أصحابه فيطلعهم عليه، فالغيبة إذن لم تبدأ من حين مولده.


     النظرية الثانية :

     الغيبة بدأت من حين شهادة والده الامام العسكري سلام الله عليه، وبالضبط بعد صلاته على جنازة الامام العسكري (عليه السلام) في القضية التي رواها أبو الاديان البصري (1) . وهذه النظرية يمكن الاخذ بها لولا نظرية أخرى وهي:
____________
     1 ـ كمال الدين: 475.

النظرية الثالثة :

     نظرية متوسطة في الواقع، وهي نظرية تقول طبق النص الذي مرّ بنا عن غيبة الشيخ الطوسي أعلى الله مقامه، نظرية تقول بأنّ غيبته بدأت بعد مولده (عليه السلام) بفترة، بدأت الغيبة وأعلن عن غيبته (عليه السلام) نفس والده الامام العسكري (عليه السلام).
     وفي هذا عناية بليغة في واقع الامر، لانّ الامام (عليه السلام) إمام حاضر، فحينما ينبىء عن غيبة ابنه الامام المهدي سلام الله عليه يكون سكون النفوس إلى ذلك أكثر، بعكس ما لو الامام سلام الله عليه يغيب فجأة بدون سبق إنذار، فالامام العسكري (عليه السلام) حينما عرضه على من حضر عنده من شيعته قال: «ألا وإنّكم لا ترونه من بعد يومكم هذا حتى يتم له عمر...» (1) إلى أن يذكر مسألة ظهوره في آخر الزمان.
     هذا الذي نفهمه والله العالم: أنّ مبدأ الغيبة الصغرى متى بالضبط، وهذه الغيبة من أي سنة يمكن تحديده؟ العبارة تقول هكذا: «وإذا غلامٌ كأنّه قطعة قمر أشبه الناس بأبي محمد العسكري» يظهر، انّ عبارة غلام تطلق على الصبي المميز، بينما الامام سلام الله عليه كان عمره قرابة الخمس سنوات لما استشهد والده الامام العسكري (عليه السلام)، وابن خمس سنوات لا يعبّر عنه غلام، هذا الواقع هو إثارة تساؤل؟ هذا النص أجيب عليه بأحد جوابين:
     أنّه أحياناً يحدث أن يكون نمو فوق الطبيعي لبعض الاطفال، هذا ملحوظ، فابن خمس سنوات ربما يبدوا بعينك وكأنّه ابن عشر سنوات مثلاً، هذا جواب.
____________
     1 ـ البحار 51: 347 ح 1.

     الجواب الاخر، وهو الجواب الاوجه، وبه رواية في خصوص الامام سلام الله عليه، كما ورد في خصوص الزهراء سلام الله عليها، رواية في قضية نموّها، كذلك في نموّ الامام المهدي سلام الله عليه، وهذا من وجوه الشبه بينه وبين جدّته الصدّيقة فاطمة (عليها السلام)، يقول: أنّه(عليه السلام)ينمو في الشهر ما ينمو غيره في السنة في دور صباه (1) ، يعني في هذه القضية النمو غير طبيعي في دور الصبا سيكون لهذا الصبي المقدس صلوات الله عليه: أنّه ينمو في دور صباه في الشهر ما ينمو غيره في السنة، فلا يبعد أن يكون (عليه السلام) هو ابن أربع سنوات وشهور أو خمس سنوات يبدو ـ لا سيما وأنّ هذه النسمة ليست نسمة عادية، نسمة مقدسة، أعدّتها عناية الله عزوجل لليوم العظيم، ادخرتها لذلك اليوم ـ فلا غرابة أن يعد الامام بهذا الاعداد.
     فاذن كلمة غلام نفسّرها بعد التحفظات في كلمة صبي، ففي هذا المورد إطلاق الصبي على الامام يتناسب مع كونه قد قضى سنين من حياة أبيه سلام الله عليه.
     ولهذا، الاقرب أنّ الامام سلام الله عليه مثلاً أعلن عن ذلك إما في عام تسعة وخمسين بعد المائتين حيث يكون عمر الامام سلام الله عليه قرابة أربع سنوات، فيمكن القول أنّ الامام سلام الله عليه الذي ولد في منتصف شعبان سنة مائتين وتسع وخمسين، وأنّ الامام في هذه الاربع سنوات من سنة خمس وخمسين منتصف شعبان إلى منتصف شعبان سنة تسعة وخمسين بعد المائتين، هذه الفترة لم تكن فترة غيبة، لانّ الاعلان صدر بحسب التقدير المشار إليه في حدود سنة مائتين وتسع وخمسين في منتصف شعبان، فتكون غيبته (عليه السلام) قد بدأت منتصف شعبان سنة مائتين وتسعة وخمسين، يعني قبل شهادة الامام العسكري سلام الله عليه بشهور، واستمرت من منتصف شعبان سنة مائتين وتسعة وخمسين إلى سنة ثلاثمائة وتسعة وعشرين حيث وفاة آخر نائب من نواب الغيبة الصغرى، وفي منتصف شعبان أيضاً كانت وفاة آخر نائب من النواب، وهو أبو الحسن علي بن محمد السمري، فاذا حسبنا في هذا المورد من سنة مائتين وتسعة وخمسين منتصف شعبان إلى منتصف شعبان سنة ثلاثمائة وتسعة وعشرين تكون الحصيلة قرابة سبعين سنة، وهذا ما يوافق بعض التحقيقات التي قالت بأنّ فترة غيبته الصغرى قرابة سبعين سنة.
     هذه نقطة كان ينبغي الاشارة إليها.


____________
     1 ـ نحوه كمال الدين: 429.

طرق إثبات المهدي (عليه السلام)
ووجوده الحسّي في الغيبة الصغرى


     أما طرق إثبات الامام سلام الله عليه لوجوده الحسي في زمن الغيبة
     الصغرى، فهناك طرق عديدة، طبيعي هذا غير بحث أصل ولادته ووجوده (عليه السلام)، وإنما هو بحث في طرق إثبات وجوده الحسّي في زمن الغيبة الصغرى في الخصوص.


     الطريق الاوّل:
تمكين عدد من الخاصة من مشاهدته أعياناً، كما أشرنا له في الرواية الواردة عن الامام الصادق سلام الله عليه،  وايصاؤهم بتبليغ ما شاهدوه إلى الناس وخاصة القواعد الشعبيّة الموالين للامام سلام الله عليه مع إيصائهم بالكتمان.


     الطريق الثاني:
إقامة الكرامة، حيث كان الامام سلام الله عليه تجري الكرامة على يديه تارة عن طريق السفراء وتارة عن طريق بعض الخواص الابدال من الناس، من قبيل محمد بن شاذان بن نعيم رضوان الله عليه، يقول :
     اجتمع عندي من الحقوق الشرعيّة خمسمائة درهم إلاّ عشرين درهماً، فاستحييت أن أبعث بها للامام (عليه السلام)دون أن أتمّها، فأتممتها بخمسمائة وأوصلتها إلى الامام سلام الله عليه ـ الظاهر عن طريق نائبه، لانّ القضية في زمن الغيبة الصغرى، اللقاء المباشر في مثل هذه القضايا عن طريق النواب، وإن كان يمكن أن يكون التقى به سلام الله عليه مباشرة ـ فجاء الجواب عن الامام: وصلت خمسمائة درهم لك منها عشرون درهماً» (1) .
     مثل هذه الكرامات كانت تظهر للامام سلام الله عليه، فكانت تعزز وجوده الحسي.


     الطريق الثالث:
هو عبارة عن الاجوبة على مختلف المسائل، فكان الامام سلام الله عليه يجيب عليها، وأنا بيّنت أنّ البحث مبني على الجدولة، وإلاّ لو أردنا أن نبسط الكلام في تعداد المسائل التي وردت فيها توقيعات الامام سلام الله عليه لكانت كثيرة جداً.
     ونفس هذه المسائل والاجوبة عليها ومتانتها وانسجامها مع أجوبة آبائه الائمة الطاهرين ممّا يعني أنّ العين نفس العين الصافية التي كانت تصدر منها المسائل عن الائمة الاطهار سابقاً، أنّها صادرة من إمام، لا من شخص عادي.


     الطريق الرابع:
هو الخط الخاص للامام سلام الله عليه، فهنالك للامام كما أشرنا في ثنايا حديثنا خط خاص، هذا الخط الخاص مألوف ومأنوس في زمن أبيه الامام العسكري (عليه السلام)، وقد نص الصدوق رحمه الله بأنّه من جملة الطرق التي كان يعرف الناس بها وجود الامام سلام الله عليه وصدق دعوى سفارة مَن ادّعى السفارة، كان ذلك من خلال معرفة خطه (عليه السلام)، لانّ الرسائل كانت تصدر بخطّه وتوقيعه مؤرّخة بتأريخها أيضاً، ممّا كانت تؤكّد لكلّ مَن كان له تماس بالامام سلام الله عليه وبواسطتهم لبقية الطبقات كانت تؤكّد وجوده (عليه السلام).

____________
     1 ـ كمال الدين: 486 ح 5، الغيبة للطوسي: 416 ح 394.

     وهنالك مباحث أيضاً طويلة الذيل كما يقال أخرى، وتفاصيل عديدة أيضاً في هذا المجال، ولكن لضيق الوقت نكتفي بهذا المقدار من البحث، وأترك الباقي من خلال أجوبة الاسئلة.
     ولكن بالمناسبة، في قضية السفراء الاربعة كان يؤدّي أن أفيض فيها أطول من ذلك، ولكن لضيق المقام اكتفيت بما ذكرته.
     وهنالك توقيع من توقيعات الناحية المقدسة أرغب للتبرك أن أختم به، لا سيما وأنه خاتمة الغيبة الصغرى أيضاً، حيث جاء في هذا التوقيع من الناحية المقدسة لاخر نائب وهو النائب الرابع وهو السمري، وهو نص رسالة الامام سلام الله عليه للنائب الرابع، يوصيه فيها بأن لا يوصي من بعده لشخص آخر فقد انتهت الغيبة الصغرى، وهذه الرسالة تشهد عباراتها على صدورها من تلك الناحية المقدسة، يقول:  «بسم الله الرحمن الرحيم، يا علي بن محمد السمري، أعظم الله أجر إخوانك فيك».
     يعني هذا في حياته، فالامام سلام الله عليه نعى إليه نفسه في حياته، وهذه القضية رواها كل من مرّ بها من علماء الطائفة، كالصدوق والطوسي وأمثال هؤلاء قدس الله اسرارهم.
     «فانّك ميّت ما بينك وبين ستّة أيام». هذا يرتبط بموضوع علم الغيب، ونحن بيّنا في محاضرات سابقة أن موضوع علم الغيب يختص بالله عزوجل، ولكن الله يطلع على بعض المعلومات الغيبيّة مَن ارتضى من خلقه.
     «فاجمع أمرك ولا توصي إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامّة، فلا ظهور إلاّ باذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد طول المدّة وقسوة القلوب وامتلاء الارض جوراً» (1) ، إلى آخر توقيعه المقدس صلوات الله وسلامه عليه.
     والحمد لله ربّ العالمين، ونسأل الله سبحانه وتعالى بحقّ صاحب الامر أن يوفقنا جميعاً أن نكون جنوداً أوفياء له (عليه السلام) وأن نكون مقبولين عنده، فانّه من أهل بيت رضاهم رضا الله وغضبهم غضب الله.
     اللهم ارزقنا رضاه ورأفته، اللهم قرّ عيوننا بطلعته المباركة، اللهم عجّل فرجه وسهّل مخرجه واجعلنا من أنصاره والشهداء بين يديه. وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

____________
     1 ـ كمال الدين: 516 ح 44، الغيبة للطوسي: 395 ح 365.