الصفحة الرئسية | هوية الشبكة | مراسلات |


قيام المهدي في مسيرة تكامل البشر

 يقول الله تعالى في القرآن الكريم : ( بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين) [1] فو وصل إيمان البشر إلى حدّ الكمال عند ذلك يدرك أنّ ( بقية الله ) والذخيرة الإلهية له خير من كل شيء .

أجل ، خير له من كل شيء ، من كل أمل وأمنية ومن كل لذى وحاجة ، ومن كل فكرة ، ومن كل مذهب . عنوان ( بقية الله ) في القرآن الكريم رغم أنّه بمعني ومفهوم كل شيء ينتسب إلى الله العزيز ، ويعتبر ذخيرة إلهية ، ولكن أكمل مصداق له الخير المطلق ، الذي يتحقق بوجود ( أولياء الله ) ولذا ذكر في الحديث [2] انتطباق عنوان ( بقية الله ) على الإمام عليه السلام .

ففي كل عصر وزمان يكون ولي الله المطلق وهو ( بقية الله ) وإنّ مصداقه البارز في عصر الغيبة هو المهدي الموعود (عج) . وإن وجوده لطف إلهي وخير محض ، وتصدفه بالأمور خير أكبر ، حرم البشر منه لغيبته ، ويأتي هذا الحرمان من الناس أنفسهم ، إلى أن يهيئوا أنفسهم للإنتفاع بذلك الخير المطلق ، وذلك عندما يجزعون من الظلم والتظلم ، ويستعدون لقبول العدل المطلق ، ويدركون مفهوم الآية التي تقول:(بقية الله خير لكم إن منتم مؤمنين ) بإيمان واعتقاد كامل .

لذا فسّرت ( بقية الله ) في الحديث بالإمامالمهدي عليه السلام .

ومنها عنة الإمام الباقر عليه السلام في كتاب إكمال الدين :

( أول ما ينطق به القائم عليه السلام حين يخرج هذه الآية – بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين – ثم يقول : أنا بقية الله وحجته وخليفته عليكم ، فلا يسلم عليه مسلم إلا قال : السلام عليك يا بقية الله في أرضه .

فأظهر الموعود آخر إمام وأعظم قائد ثوري بعد قيام نبي الإسلام ، ومن أوضح مصاديق ( بقية الله ) وأليق من الجميع بهذا اللقب وخصوصا أنّه آخر من تبقّي بعد الأنبياء والأئمة عليهم السلام .

نعم ، كل ما هو من عند الله أفضل للبشر من كل شيء آخر ، ولكن متي يدرك البشر هذا المفهوم ؟ يفهمه عندما يخرج من عبودية الذات إلى عبادة الله ، ويصل إلى الكمال .

 

قيام المهدي في مسيرة تكامل البشر :

  إنّ الهدف من خلق الإنسان هو تكامله ، ويتجلي ذلك في توحيد الله وعبادته الحقيقية ، كما جاء في القرآن الكريم : ( وما خلقت الجنّ والإنس إلاّ ليعبدون) [3]

ولكن تحقيق هذا الهدف في المستوي العالمي يتوقف على أمور وهي :

1- وجود برنامج إلهي وصحيح يهدي الناس إلى الجوانب الأخلاقية والإعتقادية ، وينحصر ذلك في دين الإسلام المقدس الذي ابتني على أساس العدل المطلق وأبلغ إلى البشر بواسطة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .

2- وجود أتباع محبين وعاشقين ، قبلوا ذلك وعلموا له بأرواحهم وأنفسهم ، ولا يبخلون ببذل مالهم وأنفسهم في نشره ، وقد وجد أفراد كهؤلاء من بدء ظهور الإسلام ولا يزالون ، ولكنهم قلبلون . ولو أننا نشاهد صورة من الإسلام في العالم فذلك بسبب سعي وجهود هؤلاء القلّة ، وإن لم يصبح الإسلام عالميا لحدّ الآن فذلك غير الإسلام الصحيح .

3- وجود قائد رباني بإمكانه إقامة العدل المطلق في المستوي العالمي ، وينحصر ذلك في الإمام الذي تثبته معارف الشيعة أي : إمام موجود ومعصوم لكنه غائب وموعود بالظهور اسمه المهدي ، وهو من سلالة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، ذكر في القرآن الكريم باسم ( بقية الله ) .

وقد ثبتت ضرورة وجود الإمام وحجة الله في كل عصر عن طريق العقل والنقل وثبتت عصمته بالأدلة المحكمة والمتقنة .

ونضيف إلى عصمة الإمام (عج ) أن القائد هو الإمام الذي يحق العدالة المطلقة بشتي أبعادها في المستوي العالمي ، ولكل الأمم بأحسن شكل ،ويظهر الأمن في كل العالم حتي يعيش الذئب والشاة في مكان واحد، ولا يعقل في إمام كهذا أن يكون غير معصوم ، لأنّ الخطأ وإن لم يكن عن عمد وتقصير يسبب الظلم للآخرين وعليه لا يحصل العدل المطلق ، وكيف يتحقق مفهوم ( يملأ الأرض قسطا وعدلا ) في حين أنّ الإمام يظلم عن خطأ ؟ فالمهدي الموعود إمام معصوم تماما ، معصوم عن الذنب وعن الخطأ .

أمّا أنه معصوم عن الذنب فلكي لا يحرف الناس ولا ينحرف هو بسبب الرئاسة ، وليتسني له إقامة العدل المطلق وأما أنه معصوم عن الخطأ ، فلأنّ إقامة العدل المطلقة لا تتلاءم مع أي نوع من الظلم ، وإنّ كان عن خطأ ونسيان ، فمن ادّخر للعدل المطلق يجب أن يتمتع بالعصمة المطلقة أيضا [4] .

لكن أداء هذه المسؤولية ( تحقق العدل المطلق على المستوي العالمي ) مقترن بانتظار وغيبة طويلة ، تهدّ القوي وتكثر من الأسئلة .

لماذا سبقت ثورة بقية الله بهذه الغيبة الطويلة ؟

ونقول في الجواب عن هذا السؤال : إنّ لغيبة الإمام عليه السلام جوانب مختلفة لكل منها بحث معين .

أولا : طول الفترة ومجهولية يوم الثورة .

ثانيا : وجود الإمام (عج) في هذه الفترة الطويلة .

ثالثا : وجوده بين الناس بشكل مجهول :

أمّا الأول : فإنّ طول المدّة رغم أنمها متعبة ومؤلمة ، لكنها في الوقت ذاته ضرورية ولا يمكن التخلي عنها ، لأنّ المسلمين وكل البشر على مرور الزمن يجب أن يقعوا عرضة للتجارب الدقيقة والتغيرات الفكرية والتجريبية ، ليميّزوا بين الحق والباطل حقا ، ويستيقظ الغافل ، ويتواضع المستكبرون ، ويقدم البشر ما بوسعهم ، ثم يخرجوا من الساحة مكسرين خائبين معترفين بالعجز عن الحصول على السعادة بواسطة الواسئل المادية والناقصة ، عند ذلك يحصل الإستعداد لقبول المنقذ والمنجي الإلهي .

وخلاصة القول : يلزم الصبر الجميل لإقتصاف الثمر اللذيذ من هذه الشجرة المثمرة ، ولن تنال أيّة ثورة ، ونهضة في العالم الهدف المطلوب دون الإستعداد والتهيؤ .

والجدير بالذكر أنّ لطول المدّة وتأخير قيام المهدي (عج) أثرا تربويا كبيرا ، دونما فرق بين أن ننظر إليه من نافذة اعتقاد الشيعة في وجوده حيا (عج) طوال المدّة ، أو اعتقاد غير الشيعة الذين يعتقدون بالمهدي لكن لا بوجوده غائبا بل بولادته فيما بعد ، لأنّ الصورتين للتجربة والإستعداد في المجتمع البشري ترتبطان بوجود مذهب وخط معين يمتحن الناس به من حيث الإيمان والعمل ، ويقربون أو يبتعدون عنه ، ويمكن تحقيق هذا الأمر على أيى حال سواء كان الإمام (عج) موجودا أو سيوجد بعد ذلك ، لأنّ خط الإسلام معيّن ومبلغ .

فطرح هذا السؤال وهو : لماذا لا يقوم المهدي (عج) مع أنه موجود ويتعهد بمسؤولية قيادة كل البشر ، وهو آخر الذخائر الإلهية ؟ ماذا ننتظر ؟ نحن ينتظر وهو ينتظر ، إنّنا ننتظره ، فماذا ينتظر هو ؟ فهل ينتظر أمر الله ؟ فلماذا لا يأمر الله بالثورة ، ماذا ينتظر الأمر الألهي ؟

وجواب هذا السؤال هو : أننا ننتظر المهدي الموعود (عج) ، وهو ينتظرنا ، وليس ذلك ببعيد ، لأنّه لا يبنتظر شخصنا ، بل ينتظر استعدادنا ونحن لم نستعد لحدّ الآن ، وطبعا ليس المراد الإستعداد الظاهري واللفظي بل الإستعداد الحقيقي والمعنوي .

وأمّا الجانب الثاني : أي وجود الإمام بين الناس طوال المدّة التي تستلزم طول عمره ( كما يعتقده الشيعة أتباع مذهب أهل بيت عليهم السلام ) فإنّ له امتيازات خاص ، تنشأ من وجود الإمام (عج) الشخصي والفعلي ، لا من وجوده النوعي والمفهوم الكلي للمهدي الموعود ، ولا من وجوده الشخصي في المستقبل كما يعتقد به الآخرون .

 

أ- الأثر التربوي والروحي :

إنّ للإيمان بالمهدي الموجود بوصفه إماما وقائدا فعليا – أعمّ من حضوره وغيبته، وبالأخص إذا عرفنا أنّه ذلك القائد الرباني والمطلع على أعمالنا ، وشعرنا بالمسؤولية تجاهه – لكل ذلك أثر تربوي وروحي خاص ، كما أنّ للإيمان بالله والإعتقاد برقابته الذاتية على أعمالنا وسلوكنا وأفكارنا أثر كهذا، لكن الإنسان بسبب إنسانيته والجانب الملكي فيه يشعر بالمسرولية أكثر تجاه الإنسان الأرفع منه ، ومقابل قائده وإمامه ، لذا كان بعض الأنبياء يبعثون حكاما على الأمّة ، رغم أنّ الحكومة الإلهية كانت ولا زالت موجودة .

والخلاصة : إنّ الإيمان بالمهدي الموجود – وإن كان موعودا بالظهور – بسبب الشعور بوجود حاكم فعلي تجب طاعته عن طريق تطبيق الأحكام الإسلامية ، ووجود إيمان كهذا يزيد من مسرولية الإنسان ، وتتجلي أهمية وجود إيمان مهذا وعدمه عندما ننظر إلى حالة الشعب الذي مات رئيسه ولو لعدّة أيام ، فعند ذلك تحدث الفوضي والفساد واللامبالاة عند الناس ، رغم أنهم يعلمون أن للدولة قوانين تعاقب من يتخلف عنها ، وأنّه سيعيّن عماّ قريب رئيس للدولة يراقب أعمال الناس .

وإضافة إلى الشعور بالمسؤولية ، يحدث شعور خاص ورابطة عاطفية بين القائد الموجود وأتباعه ، ولذلك نشاهد بوضوح أن عواطف الشيعة وارتباطهم بالإمام الموجود وإن كان غائبا ( أي بقية الله الأعظم ) ثائرة ومستمرة ، أو قد تظهر هذه العواطف أحيانا بشكل واضح وفي حىلات الشدّة ، وهذه خصيصة هذا المذهب وعقيدة الشيعة الطاهرة ، والراحة التي يتمتع بها الشيعة جرّاء ذلك يحرم منها الآخرون ، وتلك شعبة من ذكر الله ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) .

وإضافة إلى ذلك فإنّ بعض الأشخاص قد ينالون لقاءه أحيانا ، وفي هذا اللقاء تحل بعض العقد والمشاكل ، وقد تكون مثبتة ومقوية في بعض المراحل . وهذه الحلات رغم إنّها شخصية لكنها من فوائد وجوده المقدس .

فلو تقدمنا خطوة إلى الأمام اتضح لنا أمر آخر ، وهو قوة الأمل بقيام المهدي الموجود بالنسبة إلى قيام المهدي الذي سيوجد ، لأنّ قيام المهدي الموجود ممكن في وقت وزمان ، لكن قيام المهدي الموعود بالوجود يحتاج إلى زمن طويل ، وإن مذهب الشيعة الحقّ ، هو الإيمان بالمهدي الموجود ، وإن كان موعودا بالظهور ، خلافا للآخرين الذين يعتبرونه موعودا بالوجود والظهور معا .

ب- الأثر التكويني :

 أي أن وجود بقية الله الأعظم في العالم له آثار تكوينية بالنسبة لنفسه وللآخرين ، بل لكل العالم .

والكلام في استفادته هو عليه السلام من طول مدّة غيبته ومن مضي الزمن زتجارب التاريخ والحكومات الباطلة ، ليس بكلام يعتمد على دليل محكم ، لأنّ القادة الإلهيين لا يحتاجون إلى تجارب الزمن ، وهم عالمون بكل شيء عن طريق الفيض الإلهي ، ولكن يمكن القول : إنّ طول العمر المقترن بعبادة الله يسبب ارتقاع المقام والقرب الإلهي .

وأمّا انتفاع المجتمع البشري وكل العالم من وجود الإمام الغائب طوال فترة الغيبة فهو أمر قطعي ومسلم به ، بسبب أنّ الإمام المعصوم عليه السلام متمم للنظام التكوينية ، وبدون ذلك لا يتم نظام التكوين ، ويجب أن يستمر الفيض الإلهي من قبل الذات الإلهية المقدسة في كل عصر وزمان ، بل في كا لحظة ودقيقة كي لا يلزم النقص في المبدأ الفياض ، وإن لم يكن البشر مستعدا للإستفاضة .

هذا ورد الأحاديث : ( لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت ) [5]  

وذلك لأنّ عدم وجود الإمام عليه السلام يسبب النقص في نظام التكوين ، والنقص يسبب الفناء ولأنّ آخر إمام من الأئمة الإثني عشر هو ( بقية الله الأعظم ) المهدي الموعود ، باعتقاد الشيعة ، فوجوده طوال فترة الغيبة أمر ضروري ، وحافظ النظام التكوين .

ج- الأثر التشريعي :

 ومن الفوائد الأخري لوجود الإمام الغائب (عج) الأثر التشريعي ، أي الدفاع عن الشريعة في الظروف التي تعجز الآخرون فيها ، لأنّ الإمام المعصوم (عج) مسؤول عن حفظ الإسلام والمسلمين ولو لزم في بعض الموارد أنّ يتدخل الإمام للدفاع عن الإسلام ، فإنّه يفعل ذلك – وإن كان مجهولا -  ويخلص الإسلام والمسلمين وينجيهم ولو عن طريق المعجزة وخرق العادات.

وأمّا الجانب الثالث : أي غيبة الإمام (عج) ( وجوده بشكل مجهول ) طوال هذه المدّة ، فذلك يثير الأسئلة لأنّه مع وجوده (عج) لماذا لا يعرف نفسه ليستفيد الناس منه أكثر .

وقد ورد الجواب عن هذا السؤال في أحاديث كثيرة ، بأنّ الخوف من القتل سب اختفاء الإمام عليه السلام ، ويجب أن يكون الأمر كذلك ، لأنّ وجود قائد يريد القضاء على الجكومات الطاغوتية وقطع يد الظالمين ، وجوده ثقيل عليهم ، وإنّهم سيفكرون بقتله حتما ولا مفرّ سوى الإستتار والإختفاء عن الناس ، وكما فعل فرعون عندما سمع من الرهبان أن حكومته ستسقط بيد موسي بن عمران ، فكان يشق بطون الأمهات ويذبح أطفالهنّ ، وفعل ذلك بآلاف الأشخاص ، فكيف بوجود المهدي (عج) الذي أخبر عن ثورته النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام بل الأنبياء السابقون ، وحفظ الإمام (عج) عن طريق المعجزة غير ضروري مع إمكان الحفاظ عليه عن طريق الإخفاء ، ويكون الإعجاز في وقت لا يوجد حلّ إلاّ المعجزة ،ولا ينحصر الحلّ هنا بالمعجزة ، رغم أن طول العمر الخارج عن الحدّ الطبيعي يلزمه اإعجاز ، مع أنه وجد تفسير طبيعي له .

إنّنا ننتظر ذلك المحبوب لعلّنا ننال لقاءه أو أجر انتظاره . اللهم عجل فرجه وسهل مخرجه واجعلنا من أنصاره وأعوانه برحمتك يا أرحم الراحمين .



[1]  فانطباق ( بقية الله ) على إمام العصر عليه السلام يمكن توجيهه من وجهين : الأول بقاؤه الشخصي طوال فترة الغيبة حتي زمن الظهور ، والثاني بقاءه النوعي ونيابته وخلافته الإلهية الصادقة على عامة الأئمة المعصومين عليهم السلام .

[2]  يقول في تفسير الصافي في ذيل الآية المذكورة ج1 ص 809 : في الكافي عن الباقر عليه السلام أنه صعد جبلا يشرف على أهل مدين حين أغلق دونه باب مدين ومنع أن يخرج إليه بالأسواق فخاطبهم بأعلي صوته : يا أهل المدينة الظالم أهلها أنا بقية الله ، يقول الله ( بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ ..) وفي هذا الحديث طبق الإمام الباقر عليه السلام عنوان ( بقية الله ) على نفسه .

[3]  سورة الذاريات : الآية 56

[4]  وهذا الدليل سار على جميع الأئمة عليهم السلام ، لأنّهم يشتركون مع إمام العصر عليه السلام في إقامة العدل المطلق ، إلاّ أنهم لم يوفقوا لذلك ، لكن إمام العصر (عج) سيتوفق له حتما .

[5]  أصول الكافي ج1 ص 179 ح 10 باب أنّ الأرض لا تخلو من حجة عن أبي حمزة قال : قلت لأبي عبد اله عليه السلام : أتبقي الأرض بغير إمام ؟ قال : لو بقيت بغير إمام لساخت  ، وأحاديث أخري بهذا المضمون .