الصفحة الرئسية | هوية الشبكة | مراسلات |

في موتمر الامام المهدي (عج)

القضيةالاولى:

     الانقلاب الكوني الشامل الذي يشير إليه القرآن في أكثر من موقع:

     يقول تعالى:

(وعد الله الذين آمنوا منكم و عملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم و ليمكنّن لهم دينهم الذي ارتضى لهم و ليبدّلنهم من بعد خوفهم أمنا).

     و يقول تعالى:

(و نريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض و نجعلهم أئمة و نجعلهم الوارثين و نمكّن لهم في الأرض و نري فرعون و هامان و جنودهما منهم ما كانوا يحذرون). القصص 5 – 6.

     و يقول تعالى:

(و لقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون).

     و يتم هذا الانقلاب عندما يتحكم المستكبرون في حياة الناس و يستضعفون عباد الله و يسلبون الناس قيمهم و عقولهم و ضمائرهم و يشيعون الفساد في حياتهم، و تصل البشرية إلى طريق مسدود، عندئذ تتدخل الإرادة الإلهية، و تحوّل القوة و السلطان من أيدي الظالمين المستكبرين إلى أيدي الصالحين المستضعفين.

     و قد تكرر هذا الانقلاب الكوني في التاريخ، و من ذلك ما حدث في تاريخ بني إسرائيل عندما استكبر فرعون و أفسد في الأرض.

يقول تعالى:

(إن فرعون علا في الأرض و جعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبنائهم و يستحيي نساءهم انه كان من المفسدين).

و هذه هي الحتمية الاولى، و هي انقلاب القوة من المستكبرين الظالمين إلى المستضعفين الصالحين، و هو انقلاب شامل في القيم و المواقع و القوة و السيادة، و هي سنة من سنن الله الحتمية.

القضية الثانية:

     إن الذي يقود هذا الانقلاب الكوني الشامل، هو المهدي من ذرية رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم، و قدر وردت في ذلك روايات صحيحة بلغت حدّ التواتر.

     و هذه هي القضية الثانية التي يقرّرها الحديث النبوي، و يتفق عليها المسلمون. كما كانت القضية الاولى حكم القرآن الشريف و ليس في هذا شك و لاذاك.

     و قد بلغت أحاديث المهدي عجل الله فرجه الشريف حدّاً لا مكان للتشكيك فيه، و لسنا نريد أن ندخل هذا البحث و لا البحث السابق عليه.

القضية الثالثة:

     أن المهدي المنتظر عجل الله فرجه الشريف الذي اخبر عنه رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم هو محمد بن الحسن العسكري بن علي الهادي عليهم السلام، ولد سنة 255 هـ . بسامراء، ثم غيّبه الله تعالى، و هو الذي يرسله الله حيث يشاء لإنقاذ الناس من الظلم، و إزالة الشرك من على وجه الأرض، و تقرير التوحيد و عبودية الإنسان لله، و تحكيم شريعة الله و حدوده في حياة الناس. و هو الذي يقود هذا الانقلاب الكوني الشامل الواسع، في انتقال القوة من الطبقة المترفة المستكبرة الفاسدة إلى الطبقة الصالحة المستضعفة

(و نريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض و نجعلهم أئمة و نجعلهم الوارثين).

     و قد تواترت الرواية عن أهل البيت عليهم السلام بان المهدي المنتظر عجل الله فرجه الشريف الذي بشّر به رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم هو ابن الحسن العسكري، و الثاني عشر من أهل البيت عليهم السلام.

     و حديثنا اليوم يتركز حول هذه النقطة بالذات.

     و مخاطبنا في هذا البحث أولئك الذين يؤمنون بحجية حديث أهل البيت عليهم السلام، و يبحثون عن أدلة كافية و واضحة و صريحة في الإثبات العلمي لما يدعيه الإمامية من تعيين و تشخيص المهدي المنتظر عجل الله فرجه الشريف.

     فان الاختلاف بين الشيعة الأمامية و بين سائر الفرق الإسلامية ليس في أصل قضية (المهدوية). فان المسلمين مجمعون - إلاّ من شذّ   منهم - في الإيمان بأن الله تعالى قد إدّخر المهدي عجل الله فرجه الشريف من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم لإنقاذ البشرية و للانقلاب الكوني الكبير في حياة الناس … ليس في ذلك شك و الروايات النبوية في ذلك صحيحة و متواترة، و إنما الخلاف بين الشيعة الأمامية و غيرهم من المسلمين في التشخيص و التعيين فقط.

     فان الشيعة الأمامية يذهبون قولا واحدا إلى أن الإمام المهدي المنتظر عجل الله فرجه الشريف هو محمد بن الحسن العسكري بن علي الهادي المولود سنة 255 هـ . و قد غيّبه الله تعالى لحكمة يعرفها، و هو الذي ادّخره الله تعالى لنجاة البشرية، و بشّر به الأنبياء و الكتب الإلهية من قبل، بينما يذهب الآخرون إلى أن المهدي الذي بشر به رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم لم يولد بعد، أو ولد في عهد قريب.

     و الأدلة التي نستدل بها على إثبات عقيدة الإمامية في تشخيص و تعيين الإمام المهدي المنتظر عجل الله فرجه الشريف على طائفتين، الطائفة الأولى: هي الروايات العامة التي لا تخص الإمام عجل الله فرجه إلاّ أنها تنطبق بصورة قهرية على عقيدة الأمامية في المهدي عجل الله فرجه الشريف، و لانعرف توجيها و لاتفسيرا لها إذا أسقطنا من حسابنا عقيدة الإمامية في هذا الموضوع، و هذه الروايات صحيحة بالتأكيد و بعضها بالغ حد التواتر في المصادر الإمامية من ناحية رجال السند في مختلف طبقاته و لامجال للمناقشة فيها من حيث الإسناد. و الإيمان بصحة هذه الأحاديث يؤدي إلى الإثبات العلمي و القطعي لعقيدة الإمامية في تشخيص و تعيين الإمام المنتظر عجل الله فرجه، و ذلك بسبب تطابقها اولا مع ما هو المعروف عند الإمامية – كما سوف نرى ذلك إن شاء الله  و لانتفاء حالة أخرى تصلح أن تكون مصداقا و تفسيرا لهذه الأحاديث ثانيا .

     و نتيجة هاتين النقطتين (المطابقة و الانحصار)، هي التطبيق القهري و الحتمي لهذه الأحاديث على عقيدة الأمامية في تشخيص الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف.

حديث الثقلين

      و أول حديث نعتمده في هذا المجال حديث الثقلين، الذي صحّ و استفاضت و تواترت روايته عن رسول الله صلى الله

 عليه و آله و سلّم، و اجمع على تصحيحه المحدثون من كل الفرق الإسلامية، و ليس من علماء المسلمين ممّن يحترم علمه يشك في صحة هذا الحديث و صدوره عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم.

     و يكفي أن يكون من رواة هذا الحديث مسلم في الصحيح، و الترمذي و الدارمي في السنن، و احمد بن حنبل في مواضع عديدة و كثيرة من المسند، و النسائي في الخصائص، و الحاكم في المستدرك، و أبو داود و ابن ماجة في السنن، و غيرهم مما لايمكن إحصاؤهم في هذا المقال …و طرقه في كتب الأمامية اكثر من أن يحصى في هذه الوجيزة.

     و لفظ الحديث، كما في اغلب هذه المصادر:

     (أيها الناس إنما أنا بشر أوشك أن ادعى فأجيب، و إني تارك فيكم الثقلين، و هما كتاب الله و عترتي أهل بيتي، و انهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض، فلاتسبقوهم فتهلكوا، و لاتعلّموهم فانهم اعلم منكم).

     و الحديث صريح في:

     1 _ إن النبي صلى الله عليه و آله و سلّم يترك من بعده خليفتين هما القرآن و أهل بيته لهداية الأمة.

     2 _ و انهما باقيان لن يفترقا عن بعض إلى يوم القيامة.

     3 _ و التمسك بهما معاً يعصم الأمّة من الضلال.

     و إذا ضممنا النقطة الأولى (إني تارك فيكم الثقلين) إلى النقطة الثانية (و انهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض)، استنتجنا أصلا هاماً و هو وجود حجّة و إمام من أهل البيت عليهم السلام في كل زمان لايفترق عن كتاب الله قط.

     يقول ابن حجر في (الصواعق): (و في أحاديث الحث على التمسك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهّل منهم للتمسك إلى يوم القيامة، كما أنّ الكتاب العزيز كذلك، و لهذا كانوا أماناً لأهل الأرض، كما يأتي، و يشهد لذلك الخبر السابق في كل خلف من أمتّي عدول من أهل بيتي).

     و لاشك في دلالة الحديث على بقاء حجة من أهل البيت إماماً للناس…

     و ليس لهذا الحديث تفسير أو تطبيق غير ما يعتقده الأمامية من وجود الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف و حياته و بقاؤه و عصمته و إمامته على المسلمين.

     و إذا أسقطنا هذا الأمر عن الاعتبار، لم نجد تطبيقا و تفسيرا له قط في هذه القرون من حياة المسلمين. فليس في المسلمين اليوم، و لاقبل اليوم من يدّعي أنه أعلم الناس، و ان على الناس أن يتّبعوه و لايتقدّموه، و أن يتعلّموا منه و لايعلّموه، كما في نص الحديث الشريف الذي لايختلف فيه من يعبأ بقوله و رأيه من علماء المسلمين.

     و إذا قيل فما نفع إمام غائب عن الناس للناس؟

     نقول إنّ الله تعالى لم يطلعنا من أسرار غيبه إلّا على القليل، و ما أخفى الله علمه عنّا كثير، و ما عرّفنا منه قليل. و قد أخبرنا الصادق الأمين صلى الله عليه و آله و سلّم ببقاء حجة من أهل بيته في الناس على وجه الأرض إلى يوم القيامة، فنتعبّد بحديثه، و نحيل علم ما لانعلم إلى من يعلم …و ليس كل ما في شريعة الله مفهوم معروف لنا، و ما يخفى علينا من أسرار دين الله اكثر مما نعلم بأضعاف مضاعفة.

حديث من مات و لم يعرف إمام زمانه

     رواه مسلم في الصحيح في كتاب الامارة / باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن 6 / 22، و لفظ الحديث: عن رسول الله (ص):

(من مات و ليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية).

     و روى البخاري في صحيح البخاري كتاب الفتن/ الباب الثاني

(من خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهلية)

     و رواه احمد في المسند عن رسول الله (ص) و لفظ الحديث:

(من مات و ليس عليه طاعة مات ميتة جاهلية) مسند احمد 3/416.

     و رواه الطيالسي في المسند ص 259 (ط حيدر آباد) عن رسول الله (ص):

(من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية).

     و رواه الحاكم في المستدرك و لفظ الحديث:

(من مات و ليس عليه إمام جماعة فإنّ موتته جاهلية)

و صححه الحاكم على شرط الشيخين البخاري و مسلم.

     و رواه الذهبي في تلخيص المستدرك 1/77 و صححه على شرط الشيخين رغم تشدّد الذهبي في تصحيح أحاديث المستدرك.

و رواه الهيثمي في مجمع الزوائد بأسانيد كثيرة و ألفاظ عديدة 5 / 218 – 225.

     و طرق الحديث و ألفاظه كثيرة يبلغ حدّ الاستفاضة. و قد علمنا أن بعضها صحيح كما شهد به الذهبي.

     و روى الحديث ثقاة المحدّثين من أصحابنا الأمامية و طرقهم إليه كثيرة و طائفة منها صحيحة، و هي في الجملة قريبة من التواتر و قد عقد المجلسي رحمه الله له بابا في بحار الأنوار، روى فيه أربعين حديثا في هذا المعنى بألفاظ متقاربة. بحار الأنوار الجزء 23 / 76 – 93 تحت عنوان (من مات و لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية). و نذكر مثالا طريقين:

     الطريق الأول: رواية البرقي في المحاسن بسند معتبر عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام:

(أن الأرض لاتصلح إلاّ بإمام. و من مات و لم يعرف إمامه مات ميتة جاهلية).

المحاسن للبرقي ص 153 – 154، بحار الأنوار 23 / 76. و السند معتبر.

     الطريق الثاني روى الكشي في (الرجال) 266 – 267 : عن بن احمد عن صفوان عن أبى اليسع قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام حدّثني عن دعائم الإسلام، فقال:

شهادة أن لا إله إلاّ الله … إلى أن قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم: من مات و لايعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية.

و رجال السند كلهم ثقاة.

     و لسنا نحتاج إلى توثيق السند في أمثال هذه الروايات التي تظافرت روايتها عن الطريقين و الروايات واضحة الدلالات صحيحة السند، و هي تدلّ على الحقائق التالية:

     1 _ أن الأرض لاتصلح إلا بإمام.

     2 _ و لابد في كل زمان أن يعرف الإنسان إمام زمانه.

     3 _ و لابد من طاعة الإمام لكل أحد في كل زمان و لايجوز لأحد أن يخرج عن طاعة إمام زمانه.

     4 _ و من يموت و ليس عليه إمام يموت ميتة جاهلية.

     5 _ و من يموت و ليس في عنقه بيعة لإمام يموت ميتة جاهلية.

     و هذه الحقائق تثبت جميعا أن سنّة الله تعالى قد اقتضت وجود إمام عدل في كل زمان، قد فرض الله طاعته على الناس، و لم يأذن بالخروج عن طاعته فهي حكم شرعي يستبطن تقريراً لسنة إلهية. أمّا الحكم فهو وجوب طاعة الإمام في كل زمان و أما السنّة الإلهية التي يستبطنها هذا الحكم فهو وجود إمام في كل زمان، و إلاّ فكيف يطلب الله تعالى من الإنسان أن لايموت إلاّ و هو في طاعة إمام زمانه، و على عهدته البيعة له، غير ناقض و لاناكث لها، و غير جاهل به، فإذا خرج عن الطاعة أو نكث البيعة أو جهل به مات ميتة جاهلية، بهذه الدرجة من التغليظ و التشديد في الجزاء والعقوبة.

     و من نافلة القول أن نقول أن الحكام الظلمة و أئمة الكفر و الذين يحاربون الله و رسوله لايكونون مصداقاً للإمام الذي يفرض الله على الناس معرفته و طاعته في كل زمان و قد قال تعالى:

(و لاتركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النار) هود / 113.

     (و لاتطيعوا أمر المسرفين، الذين يفسدون في الأرض و لايصلحون) الشعراء / 151 – 152.

     (و يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به) الكهف / 28.

     و بعد هذا الإيضاح نقول إن التفسير الوحيد لهذه الروايات هو ما تعرفه الأمامية و تعتقد به من استمرار الإمامة في أهل البيت عليهم السلام، منذ وفاة رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم إلى اليوم، و عدم انقطاع الإمامة بوفاة الإمام الحسن العسكري عليه السلام. و أي فرض آخر لايستطيع أن يقدّم تفسيراً معقولا ً لهذه الروايات، الاّ أن نقول بوجوب الطاعة لكل برّ و فاجر، كما يقول به بعض الناس.

     و لسنا نعتقد أن الطاعة التي تساوي الإسلام، و يساوي خلافها الجاهلية هي طاعة هؤلاء الذين امرنا الله تعالى بعدم الركون إليهم و الكفر بهم.

حديث أن الأرض لا تخلو من حجة

     روى هذا الحديث من أصحابنا الإمامية محدّثون ثقاة مثل المحمدين الثلاثة الكليني و الصدوق و أبى جعفر الطوسي رحمهم الله بطرق كثيرة تبلغ حدّ التواتر في مختلف طبقات إسناده و قد عقد له الكليني محمد بن يعقوب في كتاب الحجة من الكافي بابا بهذا العنوان (ج 1 ص 178).

     كما عقد العلامة المجلسي في بحار الأنوار بابا بعنوان (الاضطرار إلى الحجة، و ان الأرض لاتخلو من حجة) و هو الباب الأول من المجلد السابع من الكتاب ذكر فيه 118 حديثاً بهذا المضمون، و فيما يلي نذكر نماذج من هذه الروايات:

     ذكر الكليني في الكافي / كتاب الحجة / باب أن الأرض لاتخلو من حجة: (عن عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن عيسى عن محمد بن عمير عن الحسين بن أبي العلاء قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: تكون الأرض ليس فيها إمام؟ قال: لا. قلت: يكون إمامان؟ قال: إلاّ وأحدهما صامت) أصول الكافي 1 / 178

و السند تام لايتطرق إليه الشك.

     و روى الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن محمد بن أبي عمير عن منصور بن يونس و سعدان بن مسلم عن اسحق بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام، قال سمعته يقول إنّ الأرض لاتخلو إلاّ و فيها إمام). الكافي 1 / 178. و السند تام و الرواية معتبرة كذلك.

     و روى الكليني عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد عن علي بن الحكم عن ربيع بن محمد المسلّي عن عبد الله بن         سليمان العامري عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (ما زالت الأرض إلاّ و لله فيها الحجة) الكافي 1 / 178. و السند تام و الرواية معتبرة أيضا. و رواة الحديث ثقاة.

     و روى الكليني عن علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس ابن مسكان عن أبي بصير عن أحدهما عليهما السلام قال: قال (إن الله لم يدع الأرض بغير عالم) الكافي 1 / 178.

و السند تام و الرواية معتبرة كذلك.

     و روى الكليني عن الحسين بن محمد عن معلى بن محمد عن الوشّاء، قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام: (هل تبقى الأرض بغير إمام؟ قال: لا. قلت إنّا نروي أنّها لاتبقى إلاّ أن يسخط الله عز و جل على العباد؟ قال: لاتبقى إذاً لساخت) (3). الكافي 1 /179. و السند تام و الرواية معتبرة.

     و روى الشريف الرضي عن أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة ماله علاقة بذلك. قال عليه السلام: (لاتخلو الأرض من قائم لله بحجة إما ظاهراً مشهوراً، و إما خائفاً مغموراً، لئلاتبطل حجج الله وبيناته).

     هذه طائفة واسعة من الروايات تبلغ حد التواتر و جملة منها تامّة من حيث السند، كما أشرنا إلى بعضها من كتاب الكافي، و هي صريحة بانّ الأرض لاتخلو من حجة لله ظاهراً أو مغموراً، و الحجة في كلمات أهل البيت عليهم السلام مصطلح معروف لمن يألف كلماتهم عليهم السلام، و هذه الأحاديث لاتحتاج إلى تعليق كثير و تأمّل و توقف، فهي صريحة في ضرورة وجود الإمام في كل زمان، و لا تفسير لهذه الروايات بغير ما تعرفه الشيعة الأمامية و تعتقده من وجود الإمام و حياته و غيبته، و إذا أسقطنا هذا الأمر من الاعتبار فلانجد تفسيراً لهذه الروايات، البتّة، و هي كثيرة، بالغة حدّ التواتر.

حديث الأئمة الأثنى عشر

     روى البخاري في الصحيح كتاب الاحكام عن جابر بن سمرة قال: سمعت النبي (ص) يقول:

يكون اثنا عشر أميراً، فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: انه قال كلّهم من قريش.

     و روى مسلم في الصحيح كتاب الامارة باب أن الناس تبع لقريش، عن جابر بن سمرة قال: سمعت النبي (ص) يقول :

لايزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً، ثم تكلّم النبي (ص) بكلمة خفيت عليّ فسألت أبي: ماذا قال رسول الله (ص)، فقال: كلّهم من قريش.

     و روى مسلم في الصحيح كتاب الامارة باب أن الناس تبع لقريش عن جابر بن سمرة يقول: سمعت رسول الله (ص) يقول:

لايزال الإسلام عزيزاً إلى اثنى عشر خليفة، ثم قال كلمة لم أفهمها، فقلت لأبي ما قال، فقال: كلّهم من قريش.

     و روى أيضا مسلم في الصحيح في نفس الكتاب و نفس الباب عن جابر بن سمرة قال دخلت مع أبي على النبي فسمعته يقول:

إن هذا الأمر لاينقضي حتى يمضي فيهم اثنى عشر خليفة، ثم تكلّم بكلام خفي عليّ، فقلت لأبي ما قال: قال: كلّهم من قريش.

     و روى الترمذي في السنن كتاب الفتن باب ما جاء في الخلفاء عن جابر بن سمرة قال:

قال رسول الله (ص):

يكون من بعدي اثنا عشر أميرا ً

ثم عقّب على ذلك بقوله، قال أبو عيسى هذا حديث صحيح.

     و روى أبو داود في السنن عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله (ص):

لايزال هذا الدين عزيزاً إلى اثني عشر خليفة، فكبّر النّاس، و ضجّوا، ثم قال كلمة خفيت عليّ، قلت لأبي: يا أبه ما قال؟ قال: كلّهم من قريش.

     و روى الحاكم في المستدرك في كتاب معرفة الصحابة عن جابر قال: كنت عند رسول الله (ص) فسمعته يقول:

لايزال أمر هذه الأمّة ظاهراً حتى يقوم اثنا عشر خليفة.

و روى احمد بن حنبل في المسند هذا الحديث عن جابر من أربع و ثلاثين طريقاً ج 5 / ص 86 و 87 و 89 و90 و 92 و 93 و 94 و 95 و 96 و 97 و 98 و 99 و 100 و 101 و 106 و 107 و 108. و روى أبو عوانة هذا الحديث في مسنده 4 / 396 و 398و 399. و ابن كثير في البداية و النهاية 6 / 248، و الطبراني في المعجم الكبير 94و97، و المناوي في كنوز الحقائق 208، و السيوطي في تاريخ الخلفاء61، و العسقلاني في فتح الباري 13 / 179، و البخاري في التاريخ الكبير 2 / 158، و الخطيب في تاريخ بغداد 14 /353، و العيني في شرح البخاري 24 / 281، و الحافظ الحسكاني في شواهد التنزيل 1 /455، و القسطلاني في إرشاد الساري 10 / 328، و غيرهم من المحدّثين و الحفّاظ.

و روى هذا الحديث أصحابنا الأمامية بطرق كثيرة لا نجد ضرورة في سردها على نحو التفصيل أو الإجمال.

     و لدينا مجموعة من النقاط في هذا الحديث:

     1 _ لا إشكال في أن حديث الاثنى عشر خليفة قد صدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم، فقد رواها الفريقان بطرق كثيرة، و يكفي أن البخاري و مسلم من السنّة و الكليني و الصدوق من الشيعة من رواة هذا الحديث.

     2 _ و الأحاديث ظاهر في أن الأمراء المذكورين في هذه الرواية أمراء الحق ليس أئمة الظلم و الجور من أمثال معاوية و يزيد و الوليد و المتوكل و اضرابهم.

     3 _ و أن عدتهم اثنا عشر عدد نقباء بني إسرائيل. يقول تعالى:

و لقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل و بعثنا منهم اثني عشر نقيبا - المائدة / 12.

     4 _ و لايخلو منهم زمان. و لانعرف لهذه الأحاديث بمجموعها تطبيقاً قط غير الأئمة الاثنى عشر المعروفين عند الشيعة الإمامية الاثنى عشرية، و آخرهم المهدي المنتظر عليه السلام وعج و هو الإمام الثاني عشر.

     و لو رأينا التمحل الذي يتمحله علماء كبار من أمثال السيوطي في ترتيب الاثنى عشر أميراً بعد رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم، لاطمأن القلب إلى أن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم لم يرد غير الأئمة الاثنى عشر من أهل بيته الأبرار الطاهرين عليهم السلام. و لقد أحسن محمود أبو ريه في التعليق على التوجيه الذي وجّه به السيوطي هذه الرواية، فقال عنه: (و رحم الله من قال عن السيوطي انه حاطب ليل).

     فلانعرف تطبيقاً قط ينطبق بالتمام و بدقة على هذه الروايات في غير عقيدة الشيعة الإمامية و بضمنها ولادة الإمام عجل الله فرجه الشريف و غيبته. و لو أسقطنا هذا الواقع من الحساب لم يبق تفسيراً لهذه الروايات التي هي من أنباء الغيب التي أخبر عنها و بشّر بها رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم.

     هذه أربع طوائف من الروايات، لايتطرق إليها الشك من حيث السند، و لا من حيث الدلالة في معانيها و مضامينها. و تنطبق على ما تعتقده الإمامية و تعرفه من إمامة الأئمة الاثنى عشر من أهل البيت عليهم السلام و ولادة الإمام الثاني عشر و غيبته و ظهوره بعد ذلك إنطباقاً تامّاً.

     و ينحصر الإنطباق عليهم، فلانعرف لهذه الروايات تطبيقاً آخر في تاريخنا المعاصر و القديم غيرهم. فلم يدّع غيرهم لنفسه العصمة، و لم يقل غيرهم أنّه حجة الله على الخلق، و إمام، طاعته هدى و دين، و مخالفته ضلال و جاهلية، و لم يدّع غيرهم أنّهم هم المقصودون بالأئمة الاثنى عشر، و أنّهم هم الثقل الآخر المقارن للقرآن، المذكور في حديث الثقلين.

     و هذا المعنى بالضرورة يؤدي إلى الإنطباق القهري لهذه الروايات عليهم عليهم السلام.

     و فيما يلي توضيح لهذا الاستدلال:

     1 _ يقول أهل البيت عليهم السلام انهم هم حجج الله تعالى على خلقه المنصوص عليهم من جانب رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم، و أنّهم هم الثقل الأصغر الذي قرنه رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم بالقرآن، و أنّهم هم الأئمة الاثنى عشر الذين أخبر عنهم رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم، و طاعتهم من طاعة الله و رسوله صلى الله عليه و آله و سلّم، و مخالفتهم جاهلية و ضلال، و هم حلقات متصلة من وفاة رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم إلى أن تقوم الساعة، لم تخل منهم الأرض و لم يخل منهم زمان، كما قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم.

     2 _ و لم يحص عليهم أحد تناقضاً و مخالفة في القول و العمل، و لم ينتقصهم أحد ممّن يعبأ بقوله و لم يتجرأ أحد على النيل منهم من علماء المسلمين … و هؤلاء الأبرار لم يكونوا في زوايا الإهمال و النسيان، و إنما كانوا يعيشون في حواضر المسلمين و في أوساطهم، و قد تلقى عنهم كبار فقهاء المسلمين العلم و الفقه.

     3 _ و لانعرف في تاريخ المسلمين من يدعي لنفسه هذا الادعاءات من العصمة و الحجية و إمامة الدين و الدنيا و أنّه لايخلو منهم زمان و لاتخلو الأرض من حجة منهم، و انه من الأئمة الاثنا عشر الذين بشّر و أخبر عنهم رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم … لانعرف أحد يقول هذه المقالة غيرهم.

     هذه النقاط الثلاثة إذا ضممناها إلى الطوائف الأربعة من الروايات المتقدمة أنتجت بالضرورة الإثبات اليقيني العلمي لمذهب أهل البيت عليهم السلام.

     و نقرّب ذلك بمثال قضائي يعرفه القضاة:

     لو أنّ أحداً عثر على مال في دار معين لايدخله غير نفر معدود، و لايدخلهم غيرهم، فادعاه أحدهم، لايعرف الناس له تناقضاً أو كذباً أو خيانة في القول و العمل، و لم يدّعه غيره ممن يتردد على هذه الدار من هذا النفر المعدود، فبالضرورة يحكم القاضي بعائدية المال إلى المدّعي مع عدم وجود إدّعاء معارض، و مع انتفاء امارات الكذب عن المدّعي، و ليس يحتاج إلى بيّنة أو يمين أو وسيلة أخرى من وسائل الإثبات القضائي بالضرورة.

     و واقع أهل البيت عليهم السلام في التاريخ الإسلامي بالقياس إلى الأخبار الصحيحة التي أخبر عنها رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم، يشبه إلى حدّ ما هذا المثال القضائي.

     و لذلك قلنا ان انطباق هذه الروايات على الأئمة الاثنى عشر من أهل البيت عليهم السلام و منهم الإمام الثاني عشر الغائب المنتظر، إنطباق قطعي و ضروري و لايحتاج إلى جهد علمي بقدر ما يحتاج إلى رؤية صافية غير مثقلة بالشكوك و الأهواء و العصبيات أعاذنا الله منها.

الطائفة الثانية

     الروايات التي تخصُّ الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف و هي في الغالب واردة عن أهل البيت عليهم السلام .و قد علمنا أن مخاطبنا في هذا البحث هم الذين يعتقدون بحجية حديث أهل البيت عليهم السلام، و يعتقدون أن حديث أهل البيت هو إمتداد و رواية لحديث رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم.

     و سوف نستعرض إن شاء الله خلال هذه النقطة من البحث طائفة من الروايات الصحيحة الواردة عن طريق أهل البيت عليهم السلام، في تشخيص و تعيين الإمام عجل الله فرجه الشريف و ولادته و غيبته و ظهوره.

تواتر الروايات:

و أول ما نستند إليه في هذه الروايات، هو تواتر الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام، في أن المهدي عجل الله فرجه الشريف هو الثاني عشر من أئمة أهل البيت عليهم السلام و التاسع من ذرية الحسين عليه السلام، و ابن الحسن العسكري بن علي الهادي عليهما السلام، المولود بسامراء سنة 255 هـ..

     و قد روينا هذه الروايات من كتب القدماء من أصحابنا مثل الكافي لمحمد بن يعقوب الكليني المتوفي 329 هـ.، و غيبة النعماني لتلميذ الكليني، و كامل الزيارات لجعفر بن محمد بن قولويه المتوفي سنة 368 هـ.، و كمال الدين و تمام النعمة، و كتاب الأمالي، و كتاب عيون أخبار الرضا، و علل الشرائع لأبي جعفر محمد بن علي الصدوق ابن بابويه القمّي المتوفي سنة 381 هـ.، و كفاية الأثر في النصوص على الأئمة الاثنى عشر للخزازي الرازي القمي من تلاميذ الصدوق، و كتاب الارشاد لأبي عبد الله محمد بن النعمان المفيد المتوفي 413 هـ.، و كتاب الغيبة لأبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي 460 هـ.، و دلائل الإمامة للطبري المعاصر للشيخ الطوسي، و غيرهم من قدماء أصحابنا المعروفين بالدقة في الرواية والنقل.

     و هذه الروايات تبلغ بالتأكيد حدّ التواتر في كتب أصحابنا القدماء في جميع طبقات إسنادها، و في مختلف ادوار المعصومين عليهم السلام.

     و قد جمع طرفاً من هذه الروايات السيد صدر الدين الصدر في كتابه المهدي، و التجليل التبريزي في كتابه، و الصافي الگلبايگاني في منتخب الأثر، و الشيخ علي الكوراني في معجم أحاديث المهدي.

     و الذي يراجع هذه الأحاديث بأسنادها لايشك في تواتر هذه الأحاديث في مختلف طبقات إسنادها ممن أسميناهم من المحدّثين القدماء إلى المعصومين عليهم السلام.

     و ان لم تكن أحاديث المهدي عجل الله فرجه الشريف في كتب الشيعة الإمامية بالغة حدّ التواتر، فليس لدينا حديث متواتر في المجاميع الحديثية.

     و تعريف التواتر ما يمتنع معه تواطؤ الرواة على انتحال الرواية.

     يقول الشهيد رحمه الله في الدراية في تعريف التواتر (هو ما بلغت رواته في الكثرة مبلغاً أحالت العادة تواطؤهم على الكذب، و استمر ذلك في جميع الطبقات).

     و التواتر من الطرق القطعية إلى السنّة و حجيته ثابتة بالفعل.

     و إذا بلغ الحديث حدّ التواتر فمن نافلة القول البحث الروائي عن صحة طرق الحديث.

     و الآن ننتقل إلى الحديث عن الروايات الصحيحة الواردة في إمامة و غيبة و ظهور الامام محمد بن الحسن العسكري بن علي الهادي عليهم السلام وعج من طرق أهل البيت عليهم السلام.

     ملاحظة: أعتذر عن إتمام البحث فلم يسعني الوقت لإتمامه و أرجو أن أوفق قريباً لإتمامه إن شاء الله.

     و في ختام البحث أهدي أسمى التحيات و التمنيات إلى اخوتي و أخواتي في مؤتمر الامام المهدي عجل الله فرجه الشريف متمنيا لهم اسعد الأيام و افضل الأوقات.

     اللّهم و صلّ على وليّ أمرك القائم المؤمّل و العدل المنتظر و حفّه بملائكتك المقرّبين و أيده بروح القدس يا ربّ العالمين. اللّهم اجعله الداعيّ إلى كتابك و القائم بدينك. استخلفه في الأرض كما استخلفت الذين من قبله مكّن له دينه الذي ارتضيته له أبدله من بعد خوفه أمنا يعبدك لا يشرك بك شيئاً. اللّهم اعزّه و اعزز به و انصره و انتصر به و انصره نصراً عزيزاً و افتح له فتحاً يسيراً.

والسلام عليکم و رحمة الله وبرکاته