![]() |
|
|
|
المدخل الى عقيدة الشيعة الامامية في ولادة الامام المهدي(عج) وغيبتهبسم اللّه الرحمن الرحيم(ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ان الارض يرثها عبادي الصالحون) [الانبياء: 105]. بين يدينا ثلاث قضايا، يتلو بعضها بعضا. القضية الاولى الانقلاب الكوني الشامل الذي يشير اليه القرآن في غير موقع: يقول تعالى: (وعد اللّه الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهموليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم امنا) [النور: 55]. ويقول تعالى: (ونريد ان نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم ائمة ونجعلهم الوارثين × ونمكن لهم فيالارض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) [القصص: 5 و6]. ويقول تعالى: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ان الارض يرثها عبادي الصالحون). ويتم هذا الانقلاب عندما يتحكم المستكبرون في حياة الناس ويستضعفون عباد اللّه ويسلبون الناس قيمهم وعقولهموضمائرهم، وتصل البشرية الى طريق مسدود، عندئذ تتدخل الارادة الالهية، وتنقل القوة والسلطان من ايدي الظالمينالمستكبرين الى ايدي الصالحين المستضعفين. وقد تكرر هذا الانقلاب الكوني في التاريخ، ومن ذلك ما حدث في تاريخ بني اسرائيل عندما استكبر فرعون وافسد فيالارض. يقول تعالى: (ان فرعون علا في الارض وجعل اهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح ابناءهم ويستحيي نساءهم انهكان من المفسدين) [القصص: 4]. وهذه هي الحتمية الاولى، وهي انقلاب القوة من المستكبرين الى المستضعفين الصالحين، وهو انقلاب شامل في القيموالمواقع والقوة والسيادة، وهي سنة من سنن اللّه الحتمية. القضية الثانية ان الذي يقود هذا الانقلاب الكوني الشامل هو المهدي من ذرية رسول اللّه (ص)، وقد وردت في ذلك روايات صحيحةبلغت حد التواتر. وهذه هي القضية الثانية التي يقررها الحديث النبوي، ويتفق عليها المسلمون. وهي ثابتة، كما ان القضية الاولى ثابتةبحكم القرآن الشريف، وليس في هذا شك ولا ذاك. وقد بلغت احاديث المهدي (عجل اللّه فرجه الشريف) حدا لا يجعل التشكيك فيها غير ممكن، ولسنا نريد ان ندخلهذا البحث ولا البحث السابق عليه. القضية الثالثة ان المهدي المنتظر (عجل اللّه فرجه الشريف) الذي اخبر عنه رسول اللّه (ص) هو محمد بن الحسن العسكري بن عليالهادي (ع)، ولد سنة 255ه. بسامراء، ثم حجبه اللّه تعالى، عن اعين الناس، وهو الذي يرسله اللّه حين يشاء لانقاذ الناسمن الظلم، وازالة الشرك من على وجه الارض، وتقرير التوحيد وعبودية الانسان للّه، وتحكيم شريعة اللّه وحدوده فيحياة الناس. وهو الذي يقود هذا الانقلاب الكوني الشامل الواسع، في انتقال القوة من الطبقة المترفة المستكبرة الفاسدةالى الطبقة الصالحة المستضعفة: (ونريد ان نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم ائمة ونجعلهم الوارثين)[القصص: 5]. وقد تواترت الرواية عن اهل البيت (ع) بان المهدي المنتظر (عجل اللّه فرجه الشريف) الذي بشر به رسول اللّه (ص) هومحمد بن الحسن العسكري، وهو الامام الثاني عشر من اهل البيت (ع). وحديثنا اليوم يتركز حول هذه المسالة بالذات. ومخاطبنا في هذا البحث هم الذين يؤمنون بحجية حديث اهل البيت (ع)، ويبحثون عن ادلة كافية وواضحة وصريحةفي الاثبات العلمي لعقيدة الامامية في تشخيص المهدي المنتظر من آل محمد (عجل اللّه فرجه الشريف). فان الاختلاف بين الشيعة الامامية وسائر الفرق الاسلامية ليس في اصل قضية «المهدوية». فان المسلمين مجمعون آالامن شذ منهم على الايمان بان اللّه تعالى قد ادخر المهدي (عجل اللّه فرجه الشريف) من اهل بيت رسول اللّه (ص)لانقاذ البشرية وللانقلاب الكوني الكبير في حياة الناس... ليس في ذلك شك، والروايات النبوية في ذلك صحيحةومتواترة، وانما الخلاف بين الشيعة الامامية وغيرهم من المسلمين في التشخيص والتعيين فقط. فان الشيعة الامامية يذهبون قولا واحدا الى ان الامام المهدي المنتظر (عجل اللّه فرجه الشريف) هو محمد بن الحسنالعسكري بن علي الهادي، المولود سنة 255ه بسامراء. وقد غيبه اللّه تعالى لحكمة يعرفها، وهو الذي ادخره اللّه تعالىلنجاة البشرية، وبشر به الانبياء والكتب الالهية من قبل، بينما يذهب الاخرون الى ان المهدي الذي بشر به رسول اللّه(ص) لم يولد بعد، او ولد ولا نعرف عن اسمه شيئا. والادلة التي نستدل بها على اثبات عقيدة الامامية في تشخيص الامام المهدي المنتظر (عجل اللّه فرجه الشريف)وتعيينه على طائفتين، الطائفة الاولى: هي الروايات العامة التي لا تخص الامام (عجل اللّه فرجه الشريف) الا انها تنطبقبصورة قهرية على عقيدة الامامية في المهدي (عجل اللّه فرجه الشريف)، ولا نعرف توجيها ولا تفسيرا لها اذا اسقطنامن حسابنا عقيدة الامامية في هذا الموضوع، وهذه الروايات صحيحة بالتاكيد، وبعضها يبلغ حد التواتر في المصادرالامامية من ناحية رجال السند في مختلف طبقاته ولا مجال للمناقشة فيها من حيث الاسناد. والايمان بصحة هذهالاحاديث يؤدي الى الاثبات العلمي لعقيدة الامامية في تشخيص الامام المنتظر (عجل اللّه فرجه الشريف) وتعيينه،وذلك بسبب تطابقها اولا مع ما هو المعروف عند الامامية كما سوف نرى ذلك ان شاء اللّه ولانتفاء حالة اخرى تصلحان تكون مصداقا وتفسيرا لهذه الاحاديث ثانيا. ونتيجة هاتين النقطتين (المطابقة والانحصار)، هي التطبيق القهري لهذه الاحاديث على عقيدة الامامية في تشخيصالامام المهدي (عجل اللّه فرجه الشريف)، واليك هذه الاحاديث: 1 حديث الثقلين:واول حديث نعتمده، في هذا المجال، هو حديث الثقلين الذي صح واستفاضت روايته وتواترت عن رسول اللّه (ص)،واجمع على تصحيحه المحدثون من جميع الفرق الاسلامية، وليس بين علماء المسلمين، ممن يحترم علمه، من يشكفي صحة هذا الحديث وصدوره عن رسول اللّه (ص). ويكفي ان يكون من رواة هذا الحديث مسلم في الصحيح، والترمذي والدارمي في السنن، واحمد بن حنبل في مواضععديدة وكثيرة من المسند، والنسائي في الخصائص، والحاكم في المستدرك، وابو داود وابن ماجة في السنن، وغيرهمممن لا يمكن احصاؤهم في هذا المقال... وطرقه في كتب الامامية اكثر من ان تحصى في هذه الوجيزة. ولفظ الحديث، كما في اغلب هذه المصادر: «ايها الناس، انما انا بشر اوشك ان ادعى فاجيب، واني تارك فيكم الثقلين، وهما كتاب اللّه وعترتي اهل بيتي، وانهما لنيفترقا حتى يردا علي الحوض، فلا تسبقوهم فتهلكوا، ولا تعلموهم فانهم اعلم منكم). والحديث صريح في: 1 ان النبي (ص) يترك من بعده خليفتين هما القرآن واهل بيته لهداية الامة. 2 وانهما باقيان لن يفترق احدهما عن الاخر الى يوم القيامة. 3 وان رسول اللّه (ص) امر بالتمسك بهما، وقال: ان التمسك بهما يعصم الامة من الضلال. ومعنى التمسك هو الاتباعوالطاعة. وهذا هو معنى «الحجة»، وليس للحجة والحجية معنى غير الاتباع والطاعة. واذا ضممنا النقطة الاولى (اني تارك فيكم الثقلين) الى النقطة الثانية (وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض)،استنتجنا اصلا هاما، وهو وجود حجة وامام من اهل البيت (ع) في كل زمان لا يفترق عن كتاب اللّه قط. يقول ابن حجر في «الصواعق»: «وفي احاديث الحث على التمسك باهل البيت اشارة الى عدم انقطاع متاهل منهمللتمسك الى يوم القيامة، كما ان الكتاب العزيز كذلك، ولهذا كانوا امانا لاهل الارض، كما ياتي، ويشهد لذلك الخبرالسابق في كل خلف من امتي عدول من اهل بيتي» ((51)) ولا شك في دلالة الحديث على بقاء حجة من اهل البيت اماما للناس... وليس لهذا الحديث تفسير او تطبيق غير ما يعتقده الامامية من وجود الامام المهدي (عجل اللّه فرجه الشريف) وحياتهوبقائه وعصمته وامامته على المسلمين. واذا اسقطنا هذا الامر عن الاعتبار، لم نجد تطبيقا وتفسيرا له قط في هذه القرون من حياة المسلمين. فليس فيالمسلمين اليوم، ولا قبل اليوم، من يدعي انه اعلم الناس، وان على الناس ان يتبعوه ولا يتقدموه، وان يتعلموا منه ولايعلموه، كما في نص الحديث الشريف الذي لا يختلف فيه من يعبا بقوله ورايه من علماء المسلمين. واذا قيل: فما نفع امام غائب عن الناس للناس؟ نقول: ان اللّه تعالى لم يطلعنا من اسرار غيبه الا على القليل، وما اخفى اللّه علمه عنا كثير، وما عرفنا منه قليل. وقد اخبرناالصادق الامين (ص) ببقاء حجة من اهل بيته في الناس على وجه الارض الى يوم القيامة، فنتعبد بحديثه، ونحيل علمما لا نعلم الى من يعلم... وليس كل ما في شريعة اللّه ودينه مفهوم ومعروف لنا. 2 حديث من مات ولم يعرف امام زمانه:رواه مسلم في الصحيح، ولفظ الحديث: عن رسول اللّه (ص): «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» وروى البخاري ((52))، في الصحيح، عن رسول اللّه (ص): «من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية» ((53)) ورواه احمد، في المسند، عن رسول اللّه (ص) ولفظ الحديث: «من مات وليس عليه طاعة مات ميتة جاهلية» ورواه الطيالسي((((54))، في المسند، عن رسول اللّه (ص): «من مات بغير امام مات ميتة جاهلية» ((55)) ورواه الحاكم في المستدرك ولفظ الحديث: «من مات وليس عليه امام جماعة فان موتته جاهلية» ((56)) وصححه الحاكمعلى شرط الشيخين البخاري ومسلم. ورواه الذهبي، في تلخيص المستدرك ((57))، وصححه على شرط الشيخين، وغير خفي تشدد الذهبي في تصحيحاحاديث المستدرك. ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ((58)) باسانيد كثيرة والفاظ عديدة. وطرق الحديث والفاظه كثيرة تبلغ حد الاستفاضة. وقد علمنا ان بعضها صحيح كما شهد به الذهبي. وروى الحديث ثقاة المحدثين من اصحابنا الامامية وطرقهم اليه كثيرة، وطائفة منها صحيحة، وهي في الجملة قريبة منالتواتر، وقد عقد المجلسي، رحمه اللّه، له بابا في بحار الانوار، روى فيه اربعين حديثا في هذا المعنى بطرق كثيرة والفاظمتقاربة تحت عنوان: «من مات ولم يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية» ((59)). نذكر منها طريقين على سبيل المثال: الطريق الاول: رواية البرقي في المحاسن بسند معتبر عن ابي عبداللّه الصادق (ع): «ان الارض لا تصلح الا بامام. ومنمات ولم يعرف امامه مات ميتة جاهلية» ((60)). والسند معتبر. الطريق الثاني: روى الكشي: عن ابن احمد عن صفوان عن ابي اليسع قال: «قلت لابي عبداللّه (ع): حدثني عن دعائمالاسلام، فقال: شهادة ان لا اله الا اللّه... الى ان قال: قال رسول اللّه (ص): من مات ولا يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية»((61)). ورجال السند كلهم ثقاة. ولسنا نحتاج الى توثيق السند في امثال هذه الروايات التي تضافرت روايتها عن الطريقين، والروايات واضحة الدلالاتصحيحة السند، وهي تدل على الحقائق الاتية: 1 ان الارض لا تصلح الا بامام. 2 ولابد، في كل زمان، من ان يعرف الانسان امام زمانه، ومعرفته من الدين والجهل به ورفضه من الجاهلية. 3 ولابد لكل احد، في كل زمان، من طاعة الامام، ولا يجوز لاحد ان يخرج عن طاعة امام زمانه. 4 ومن يمت وليس في عنقه بيعة للامام يمت ميتة جاهلية. 5 ولابد من ان يكون في كل زمان امام تجب معرفته وطاعته، ولابد من ان تتصل حلقات الائمة في كل زمان، ومن ان لايخلو منهم زمان. ولا يصح ان يقال: ان هذا المورد من قبيل الحكم بشرط الموضوع، او تعليق الحكم على الموضوع كاية قضية حقيقيةاخرى. فاننا نقول: ان الامر كذلك، ولا تدل القضية الحقيقية على اثبات موضوعها، وانما تثبت الحكم على فرض تحققموضوعه، ولكن الروايات الواردة في هذا الباب تدل على امر اكثر من ذلك، وهو ضرورة ارتباط الناس بالامام اومعرفتهم به وقبولهم له، وانه شرط الاسلام، وخلافه الجاهلية. وهذه القضية تكشف عن وجود الامام في كل زمان، مندون ان يكون معنى ذلك ان القضية الحقيقية تثبت موضوعها، فان القضية الحقيقية دائما بشرط تحقق الموضوع، ولكننانقول: ان الذي نستظهره من الروايات هو انها تكشف عن استمرار الموضوع، وهو وجود الامام الحجة في كل زمان،وهذا امر آخر غير الاثبات. وبتعبير آخر: ان الروايات الواردة في هذا الباب تكشف عن ان سنة اللّه تعالى قد اقتضت وجود امام عدل في كل زمان،قد فرض اللّه طاعته، ولم ياذن بالخروج عن طاعته. والحكم الشرعي الوارد في هذه الروايات يستبطن الكشف عن سنةالهية. اما الحكم فهو وجوب طاعته في كل زمان. اما السنة الالهية التي يستبطنها هذا الحكم فهي وجود امام في كل زمان، والا فكيف يطلب من الانسان ان لا يموتالاوهو في طاعة امام زمانه، وان يلتزم ببيعته وطاعته، غير ناقض ولا ناكث لها، وغير جاهل به، فاذا خرج عن الطاعة اونكث البيعة او جهل به مات ميتة جاهلية، بهذه الدرجة من التغليظ والتشديد في الجزاء والعقوبة. ومن نافلة القول ان نقول: ان الحكام الظلمة وائمة الكفر والذين يحاربون اللّه ورسوله لا يكونون مصاديق للامام الذييفرض اللّه على الناس معرفته وطاعته في كل زمان وقد قال تعالى: (ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار) [هود:113]. (ولا تطيعوا امر المسرفين، الذين يفسدون في الارض ولا يصلحون) [الشعراء: 151 و152]. (ويريدون ان يتحاكموا الى الطاغوت وقد امروا ان يكفروا به) [الكهف: 28]. وبعد هذا الايضاح، نقول: ان التفسير الوحيد لهذه الروايات هو ما تعرفه الامامية وتعتقد به من استمرار الامامة في اهلالبيت (ع)، منذ وفاة رسول اللّه (ص) الى اليوم، وعدم انقطاع الامامة بوفاة الامام الحسن العسكري (ع). واي فرض آخرلا يستطيع ان يقدم تفسيرا معقولا لهذه الروايات، الا ان نقول بوجوب الطاعة لكل بر وفاجر، كما يقول به بعض الناس،واثباته على عهدة من يدعيه. ولسنا نعتقد ان الطاعة التي تساوي الاسلام، ويساوي خلافها الجاهلية، هي طاعة هؤلاء الذين امرنا اللّه تعالى بعدمالركون اليهم والكفر بهم من الحكام الظلمة الذين حكموا المسلمين خلال التاريخ. ومن يضع هذه الطائفة من الرواياتالى جانب الطائفة الاولى من الروايات يجد تطابقا واضحا في ما بينهما. فقد ورد في حديث الثقلين، من الطائفة الاولى، انهم حجج اللّه على عباده ويجب التمسك بهم، وهم العدل الاخرللكتاب، وما ان تمسك الناس بهم لن يضلوا ابدا. وورد في الطائفة الثانية ان معرفتهم من دين اللّه والجهل بهم من الجاهلية والضلالة، والحديث مما تسالم عليه الفريقان،وقد ذكرنا بعض الفاظه وطرقه من قبل، وممن اخرجه الشيخان في الصحيحين. 3 حديث ان الارض لا تخلو من حجة:روى هذا الحديث من اصحابنا الامامية محدثون ثقاة مثل المحمدين الثلاثة: الكليني والصدوق وابي جعفر الطوسي(رحمهم اللّه) بطرق كثيرة تبلغ حد التواتر في مختلف طبقات اسناده، وقد عقد له الكليني محمد بن يعقوب في كتابالحجة من الكافي بابا بهذا العنوان ((62)). كما عقد العلامة المجلسي، في بحار الانوار، بابا بعنوان: «الاضطرار الى الحجة، وان الارض لا تخلو من حجة»، وهوالباب الاول من المجلد السابع من الكتاب ذكر فيه 118 حديثا بهذا المضمون، وفي ما يلي نذكر نماذج من هذهالروايات: ذكر الكليني في الكافي، كتاب الحجة، باب ان الارض لا تخلو من حجة: «عن عدة من اصحابنا، عن احمد بن محمد بنعيسى عن محمد بن عمير عن الحسين بن ابي العلاء قال: قلت لابي عبداللّه (ع): تكون الارض ليس فيها امام؟ قال: لا.قلت: يكون امامان؟ قال: الا واحدهما صامت» ((63)). والسند تام لا يتطرق اليه الشك. وروى الكليني عن علي بن ابراهيم عن ابيه عن محمد بن ابي عمير عن منصور بن يونس وسعدان بن مسلم عن اسحقبن عمار عن ابي عبداللّه (ع)، قال سمعته يقول: «ان الارض لا تخلو الا وفيها امام» ((64)). والسند تام والرواية معتبرة. وروى الكليني عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد عن علي بن الحكم عن ربيع بن محمد المسلي عن عبداللّه بنسليمان العامري عن ابي عبداللّه (ع) قال: «ما زالت الارض الا وللّه فيها الحجة» ((65)). والسند تام والرواية معتبرة ايضا.ورواة الحديث ثقاة. وروى الكليني عن علي بن ابراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس بن مسكان عن ابي بصير عن احدهما (ع) قال: قال:«ان اللّه لم يدع الارض بغير عالم» ((66)). والسند تام والرواية معتبرة كذلك. وروى الكليني عن الحسين بن محمد عن معلى بن محمد عن الوشاء، قال: سالت ابا الحسن الرضا (ع): «هل تبقىالارض بغير امام؟ قال: لا. قلت: انا نروي انها لا تبقى الا ان يسخط اللّه عز وجل على العباد؟ قال: لا تبقى اذا لساخت»((67)). والسند تام والرواية معتبرة. وروى الشريف الرضي عن امير المؤمنين (ع)، في نهج البلاغة، ما له علاقة بذلك. قال (ع): «لا تخلو الارض من قائم للّهبحجة اما ظاهرا مشهورا، واما خائفا مغمورا، لئلا تبطل حجج اللّه وبيناته». هذه طائفة واسعة من الروايات تبلغ حد التواتر، وجملة منها تامة من حيث السند، كما اشرنا الى بعضها من كتابالكافي، وهي صريحة بان الارض لا تخلو من حجة للّه ظاهرا او مغمورا، والحجة في كلمات اهل البيت (ع) مصطلحمعروف لمن يالف كلماتهم (ع)، وهذه الاحاديث لا تحتاج الى تعليق كثير وتامل وتوقف، فهي صريحة في ضرورةوجود الامام في كل زمان، ولا تفسير لهذه الروايات بغير ما تعرفه الشيعة الامامية وتعتقده من وجود الامام وحياتهوغيبته، واذا اسقطنا هذا الامر من الاعتبار فلا نجد تفسيرا لهذه الروايات، البتة، وهي كثيرة، بالغة حد التواتر. 4 حديث الائمة الاثني عشر:روى البخاري في الصحيح، كتاب الاحكام، عن جابر بن سمرة قال: سمعت النبي (ص) يقول: يكون اثنا عشر اميرا،فقال كلمة لم اسمعها، فقال ابي: انه قال: كلهم من قريش. وروى مسلم في الصحيح، كتاب الامارة، باب ان الناس تبع لقريش، عن جابر بن سمرة قال: «سمعت النبي (ص) يقول:لا يزال امر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا، ثم تكلم النبي (ص) بكلمة خفيت علي فسالت ابي: ماذا قال رسول اللّه(ص)؟، فقال: كلهم من قريش» ((68)). وروى مسلم في الصحيح، كتاب الامارة، باب ان الناس تبع لقريش عن جابر بن سمرة يقول: «سمعت رسول اللّه (ص)يقول: لا يزال الاسلام عزيزا الى اثني عشر خليفة، ثم قال كلمة لم افهمها، فقلت لابي: ما قال؟ فقال: كلهم من قريش»((69)). وروى ايضا مسلم في الصحيح، في الكتاب نفسه والباب نفسه عن جابر بن سمرة قال: دخلت مع ابي على النبيفسمعته يقول: «ان هذا الامر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة، ثم تكلم بكلام خفي علي، فقلت لابي: ماقال؟ قال: كلهم من قريش» ((70)). وروى الترمذي، في السنن، كتاب الفتن، باب ما جاء في الخلفاء، عن جابر بن سمرة قال: «قال رسول اللّه (ص): يكون منبعدي اثنا عشر اميرا»، ثم عقب على ذلك بقوله: قال ابو عيسى: هذا حديث صحيح ((71)). وروى ابو داود في السنن عن جابر بن سمرة قال: «سمعت رسول اللّه (ص): لا يزال هذا الدين عزيزا الى اثني عشرخليفة، فكبر الناس، وضجوا، ثم قال كلمة خفيت علي، قلت لابي: يا ابه ما قال؟ قال: كلهم من قريش» ((72)). وروى الحاكم في المستدرك في كتاب معرفة الصحابة عن جابر قال: «كنت عند رسول اللّه (ص) فسمعته يقول: لا يزالامر هذه الامة ظاهرا حتى يقوم اثنا عشر خليفة». وروى احمد بن حنبل في المسند هذا الحديث عن جابر من اربع وثلاثين طريقا ((73)). وروى ابو عوانة هذا الحديث فيمسنده ((74)). وابن كثير في البداية والنهاية (6/248)، والطبراني في المعجم الكبير (94 و97)، والمناوي في كنوز الحقائق (208)،والسيوطي في تاريخ الخلفاء (61)، والعسقلاني في فتح الباري (13/179)، والبخاري في التاريخ الكبير (2/158)،والخطيب في تاريخ بغداد (14/353)، والعيني في شرح البخاري (24/281)، والحافظ الحسكاني في شواهد التنزيل(1/455)، والقسطلاني في ارشاد الساري (10/328)، وغيرهم من المحدثين والحفاظ. واخرج اصحابنا الامامية الحديث بطرق كثيرة جدا، بالغة حد التواتر، وفيها الصحيح الذي لا يمكن التشكيك فيسنده. روى الحر العاملي، صاحب الوسائل، رحمه اللّه، في الجزء الثاني من كتابه القيم: «اثبات الهداة»، تسعمئة وسبعةوعشرين (927) نصا من النصوص العامة لاثبات امامة الائمة الاثني عشر (ع)، في الكثير منها تصريح بعدد الاثني عشربشكل صريح وباسماء الائمة (ع)، وجملة من طرق هذه الروايات صحيحة بلا اشكال، وهي بالغة حد التواتر ايضا بلااشكال. منها 95 رواية اخرجها الكليني في الكافي. و53 رواية اخرجها الصدوق في عيون الاخبار. و22 رواية اخرجها الصدوق في معاني الاخبار. و92 رواية اخرجها الصدوق في اكمال الدين. و22 رواية اخرجها الصدوق في الامالي. و18 رواية اخرجها الشيخ ابو جعفر الطوسي في الغيبة. و11 رواية اخرجها الشيخ ابو جعفر الطوسي في مصباح المتهجد. وغير ذلك. ولست اعرف وجها علميا موضوعيا للتشكيك في رواية يرويها المحدثون عن 927 طريقا. ولدينا مجموعة من النقاط في هذا الحديث: 1 لا اشكال في ان حديث الاثني عشر خليفة قد صدر عن رسول اللّه (ص)، فقد رواه الفريقان بطرق كثيرة، ويكفي انالبخاري ومسلم من السنة والكليني والصدوق من الشيعة من رواة هذا الحديث. 2 والاحاديث ظاهرة في ان الامراء المذكورين في هذه الرواية امراء الحق، ولا يكونون من ائمة الظلم والجور، من امثالمعاوية ويزيد والوليد والمتوكل واضرابهم من حكام الظلم والجور. 3 وان عدتهم اثنا عشر عدد نقباء بني اسرائيل. يقول تعالى: (ولقد اخذ اللّه ميثاق بني اسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا) [المائدة: 12]. 4 ولا يخلو منهم زمان. ولا نعرف لهذه الاحاديث بمجموعها تطبيقا قط غير الائمة الاثني عشر المعروفين عند الشيعة الامامية الاثني عشرية،وآخرهم المهدي المنتظر(عج)، وهو الامام الثاني عشر. ولو راينا التمحل الذي يتمحله علماء كبار، من امثال السيوطي، في ترتيب الاثني عشر اميرا بعد رسول اللّه (ص)،لاطمان القلب الى ان رسول اللّه (ص) لم يرد غير الائمة الاثني عشر من اهل بيته الابرار الطاهرين (ع). ولقد احسنمحمود ابو رية في التعليق على التوجيه الذي وجه به السيوطي هذه الرواية، فقال عنه: «ورحم اللّه من قال عن السيوطيانه حاطب ليل». فلا نعرف تطبيقا قط ينطبق بالتمام والدقة على هذه الروايات غير عقيدة الشيعة الامامية، وفي ضمنها ولادة الاماممحمد بن الحسن العسكري (ع) (عجل اللّه فرجه وغيبته وظهوره). وبعد، فهذه اربع طوائف من الروايات لا يتطرق اليها الشك من حيث السند والدلالة. واذا ضممنا بعضها الى بعض لايبقى تطبيق حقيقي ودقيق لهذه الاحاديث غير ما تعرفه الشيعة الامامية (واقصد بهم الاثني عشرية) من القول بامامةائمة اهل البيت (ع) في اثني عشر حلقة متصلة، وولادة الامام الثاني عشر منهم وغيبته، وهو محمد بن الحسنالعسكري (ع). واذا الغينا عقيدة الشيعة الامامية من الحساب لم يبق معنى ولا تطبيق لهذه الاحاديث البتة. اما المذاهب التي لا تتبنىمسالة «الغيبة والانتظار» فلا يمكن تطبيق هذه الاحاديث على رايها لانقطاع حلقات الامامة عنها في ادوار كثيرة ومراحلطويلة من التاريخ، حتى لو اخذنا بتمحل السيوطي في ترتيب الاثني عشر اماما. وعليه تتخلف معهم الطائفة الاولىوالثانية والثالثة من الاحاديث. واما المذاهب التي تتبنى مسالة «الغيبة والانتظار» في الامام، كالاسماعيلية، فهي ايضا غير قادرة على اعطاء تفسيرصحيح لهذه الطوائف الاربع من الاحاديث لتخلف الطائفة الرابعة عنها (وهي الروايات التي تصرح بان عدد خلفاءرسول اللّه (ص) من بعده اثنا عشر اماما او اميرا). فينحصر الامر في تطبيق هذه الروايات في تاريخ الاسلام على ما تقول به الشيعة الامامية، وليس له من تطبيق آخر، ولانعرف تطبيقا آخر لهذه الطوائف الاربع من الروايات غير ما يقول به الامامية من الايمان بولادة الامام محمد بن الحسنالعسكري (ع) وغيبته، وهذا هو معنى «المطابقة والانحصار». وعندئذ يتم الاستدلال بهذه الطوائف الاربع من الروايات بشكل كامل، لانحصار الامر في تطبيق هذه الروايات على ماتقول به الامامية، وعدم وجود اي تطبيق آخر معروف في تاريخ الاسلام لها. ونقرب ذلك بمثال من القضاء. لو ان احدا عثر على مال في دار لا يدخلها غير نفر معدود، ولا يدخلها غيرهم، فادعاه احدهم، لا يعرف الناس لهتناقضا او كذبا، ولم يدعه غيره ممن يتردد على هذه الدار من اولئك النفر. فان القاضي يحكم بالضرورة بعائدية المالالى المدعي مع عدم وجود ادعاء معارض، وليس يحتاج الى بينة او يمين او وسيلة اخرى من وسائل الاثبات القضائيبالضرورة. وواقع الائمة الاثني عشر من اهل البيت (ع) في التاريخ الاسلامي بالقياس الى الاخبار الصحيحة التي اخبر عنها رسولاللّه (ص) يشبه الى حد ما هذا المثال القضائي. ولذلك قلنا ان انطباق هذه الروايات على الائمة الاثني عشر من اهل البيت (ع)، ومنهم الامام الثاني عشر الغائبالمنتظر (عج) انطباق قطعي وضروري، ولا يحتاج الى جهد علمي كبير بقدر ما يحتاج الى رؤية صافية غير مثقلةبالخلفيات والرواسب الفكرية والعصبيات، اعاذنا اللّه منها. خلاصة الكلام ونلخص الكلام في هذا الباب ونقول: ان امامنا افتراضين اثنين: الافتراض الاول صحة عقيدة الشيعة الامامية من الائمة الاثني عشر من اهل البيت (ع)، بمن فيهم الامام الثاني عشر(عج)، وولادته وغيبته وظهوره. والافتراض الثاني عدم صحة هذه العقيدة. ومن الطبيعي ان نخضع هذين الافتراضين للدراسة والتحقيق في ضوء الطوائف الاربع المتقدمة من الحديث، التي لايمكن انكارها ولا تكذيبها. عندئذ نجد ان الافتراض الاول يقدم بسهولة تفسيرا واقعيا تاريخيا للطوائف الاربع المتقدمة من الحديث لانطباقهاالكامل عليه. بينما الافتراض الثاني يؤدي الى انكار الاحاديث الاربعة او تكذيبها. والاول منهما يعارض النهج العلمي المعروفللفريقين في توثيق الحديث، والثاني منهما تكذيب لرسول اللّه (ص) واهل بيته الذي اذهب اللّه عنهم الرجس، وجعلهمرسول اللّه (ص) العدل الاخر للكتاب. |