الصفحة الرئسية | هوية الشبكة | مراسلات |

قراءة في علل غيبة المهدي (عج) وحكمتها

الدكتور محمد خاقاني

المقدمة :

تنطلق هذه المقالة من «إن الولاية سر النبوة وباطنها».

أصبحت النبوة ساحة لظهور الأشياء، لا في النبوة التشريعية التي من شأنها إظهار ما في الغيب بسرد الوحي والألفاظ فحسب، بل وأيضاً فى النبوة التكوينية التي من شأنها إظهار ما في باطن هذا العالم من الحقائق والأسرار. وهكذا أصبحت الولاية ساحة لبطون الأشياء. إذ إن لكل شيء ظهراً ولظهره بطناً.

وإذا كان محمد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم خاتم الأنبياء، وبه أكتمل الدين في التنظير للشريعة الأسمى وبروز مظاهره، وتمت النعمة الالهية على صعيد النظر والفكر والايديولوجيا، فسميه والملقب بلقبه: الحجة بن الحسن (عج) خاتم الأولياء، وبه يكتمل الدين في تطبيق الشريعة الحقة وبروز أسرارها وكنوزها عبر العدالة الالهية العالمية.

في هذه القراءة يمكننا تقسيم الأدوار التاريخية الى دورتين رئيسيتين:

الدورة الأولى: فترة النبوة وارسال الرسل وانزال الكتب، وتبدأ بآدم عليه‏السلام وتنتهي بخاتم الأنبياء صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم .

في هذه المرحلة تأتي الشرايع الالهية واحدة بعد أخرى، وكل شريعة تنسخ ما سبقتها. وتلغي مفعولها وتقدم نموذجاً جديداً يواكب مستجدات الحضارة البشرية مع الاحتفاظ بجوهر الدين الواحد.

الدورة الثانية: هي دورة الولاية التي اعتبرناها باطن النبوة، وهي تبدأ بولاية الامام علي بن أبي طالب عليه‏السلام ، وتستمر الى آخر نشأة الدنيا. وبانتهائها تنطوي السموات والأرض، ويستعد الانسان للبدء بحياة الخلد.

الدورة الثانية ايضاً تنقسم الى فترة قصيرة جداً تتوزع بين ولاية الائمة الاحد عشر، وتليها مرحلة ولاية خاتم الانبياء، التي تنقسم بين الغيبة الصغرة والكبرى والثورة العالمية.

في قراءة سريعة عن ركائز هاتين الدورتين، أرى ان دورة النبوة تمتاز بصفتين أساسيتين: الاولى: حضور الانسان الكامل أي النبي بين حين وآخر بين الناس، ليقدم لهم أسوة حسنة تتجسد فيها القيم الالهية، وتتبلور هذه القيم في شخصية وأنماط علاقته بالناس وحياتهم الفردية والاجتماعية. والثانية: الإعجاز المقرون بالتحدى كآية بينة لاثبات مصداقية نبوءة النبي وعلاقته بمنبع القدرة المطلقة. هذه المعجزات عادة أمور تخرق النظام الاعدادي الحاكم على مسار المادة في الطبيعة، كناقة تظهر من تفجر جبل، والقاء عصاً تصبح ثعباناً مرعباً، والتحدث مع النمل والطير، وتسخير الرياح، وتسبيح الحصا في كف النبي، وشفاء الأكمه والأبرص، واحياء الموتى. وهي عادة تنسجم مع معطيات العقلية البشرية الآخذة بالتطور والارتقاء من نبي الى نبي آخر.

هذا الغياب التدريجي لائمتنا الأطهار عليهم‏السلام ، يأتي حسب رأي في سياق التمهيد للغيبة الصغرى والغيبة الكبرى للحجة الثاني عشر.

الا أن هناك أكثر من برهان عقلي ونص شرعي يزيل النظرة التشاؤمية الى فترة الغيبة ويفيد أنها حلقة من مراحل الاستكمال التدريجي للامام والبلوغ التدريجي للبشر. ان اعتبار فترة الغيبة فراغاً سياسياً وخروجاً على الاصل يساوي اعتبار نهضة المنجي على حد تعبير الشهيد المطهري: «ذات طابع انفجاري محض، ناتجة عن انتشار الظلم والفساد والطغيان، أي أن مسألة الظهور نوع من الاصلاح الناتج عن تصاعد الفساد».(1)

وهذا باطل عقلاً، لاستحالة الطفرة أولاً، ولاستحالة التراجع من الكمال الى النقص في أية حركة للانسان الذى هو العالم الصغير وللعالم الذي هو الانسان الكبير ثانياً.

ان غياب المهدي بجسده، الذي يفتح المجال لحضوره بحقيقته ونوره الذي هو العقل، يهيئ الأرضية في نضج المجتمع البشري الذي يجب ان يتأهل لأن يقوم هو بالقسط: «ليقوم الناس بالقسط ». وسيف المهدي لا يشهر على الناس بل على الطغاة الذين يأسرون عقول الناس وقلوبهم وأرواحهم وأبدانهم.

الحقيقة الغيبة المقدسة عن تعينات الأسماء والصفات أرادت ان تخرج من كتم العماء، وأحبت ان‏ترى نفسها في مرائى الأسماء والصفات. فتجلّت على الاسم الأعظم الذي يستجمع فيه كل الأسماء والأوصاف، وتمظهرت في الحقيقة المحمدية التي تعم جميع مراتب المخلوقات والظهورات. هذا التقابل بين حضرة الغيب وحضرة الكون الجامع، أدى بدوره الى ظهور بقية الأسماء والصفات واحدة تلو أخرى، فبرز الغيب المغيب مرة في الاسم «الظاهر»، وتحقق في سلسلة الأنبياء، وأخرى في الاسم «الباطن»، وتجلى في سلسلة الأولياء.

هكذا أصبحت النبوة ساحة لظهور الأشياء، لا في النبوة التشريعية التي من شأنها اظهار ما في الغيب بسرد الوحي والالفاظ فحسب، بل وأيضاً في النبوة التكوينية التي من شأنها اظهار ما في باطن هذا العالم من الحقائق والاسرار. وهكذا أصبحت الولاية ساحة لبطون الأشياء. اذ ان لكل شيء ظهراً ولظهره بطناً، مثل القرآن الذين هو نسخة صادقة عن كل مراتب الوجود، وبالاحرى كل مراتب الظهور. والنسخة طبق الأصل. فأصبح للقرآن ظهر، ولظهره بطن، ولبطنه بطن الى سبعين بطناً. فأصبحت النبوة في عالمي التكوين والتشريع مجلى الظهور، والولاية موطن البطون. وتسنّى لنا أن نقول: «ان الولاية سر النبوة وباطنها».

واذا كان يتحتم على النبوة في عالم الناسوت ان تنتشر في آفاق الجغرافيا، وتتوزع في أعماق التاريخ بدء من أبينا آدم عليه‏السلام ، الذي ابتدأ به سير الانسان في سكة الزمان، مروراً بالأنبياء والمرسلين الذين أخذوا بيد البشرية، وساروا بها على درب الهداية خطوة خطوة، ومهدوا الأرواح والأنفس لاعظم حدث ومنعطف في تاريخ الانسانية، تمثل في نزول القرآن على قلب خاتم الأنبياء، فكذلك تحتم على الولاية ان تنتشر في عالم الناسوت بين فترات التاريخ، بدء من الولاية العلوية، ومروراً بالحجج الطاهرة الذين فسروا القرآن وحققوا محكمه ومتشابهه وناسخه ومنسوخه ومطلقه ومقيده، وقدّموا في سلوكهم وتعاملهم تفسيراً حياً له، وفجروا في القرآن اثنى عشرة عيناً حتى يعلم كل أناس مشربهم، ويتهيأوا لأعظم حدث يتحقق به القسط الذي نادى به جميع الأنبياء والمرسلين.

واذا كان محمد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم خاتم الأنبياء، وبه اكتمل الدين في التنظير للشريعة الأسمى وبروز مظاهره، وتمت النعمة الالهية على صعيد النظر والفكر والايديولوجيا، فسميه والملقب بلقبه: الحجة بن الحسن (عج) خاتم الأولياء، وبه يكتمل الدين في تطبيق الشريعة الحقة وبروز أسرارها وكنوزها عبر العدالة الالهية العالمية.

«فدائرة الولاية هي باطن دائرة النبوة. وهي في كامل التماثل مع دائرة النبوة، لان النبوة من جانبها ليتس غير ظاهر هذه الولاية... وكما أن دائرة النبوة قد وجدت كمالها وتمامها في خاتم الانبياء، كذلك دائرة الولاية تجد مقامها في خاتم الاولياء»(2).

ورغم أن اقوال شُراح فصوص الحكم تضاربت بشأن خاتم الأولياء، حيث أن الشيخ الجندي رأى ختم الولاية في شخص الشيخ الأكبر ابن عربي، وأفاد القيصري ان ابن عربي يصرح في كلماته بان عيسى هو خاتم الأولياء، لكن ابن عربي نفسه يقول ان ختم الولاية يخص سر الأنبياء وامام العالمين علياً عليه‏السلام ، لان علياً كان اقرب الناس الى رسول اللّه‏. هذا بحسب الرتبة. وأما بحسب الزمان، فالخاتم المطلق عنده هو المهدي المنتظر. وعيسى وان كان بحسب الظاهر والزمان خاتماً للولاية العامة، اما بحسب المعنى فهو مختوم بالختم المحمدي أي المهدي عليه‏السلام ، لان ولاية عيسى تكون من لمعات الولاية المهدوية، وهي حسنة من حسنات الامام المنتظر».(3)

كذلك يرى ابن عربي في الفصوص أن: «الفتوح الربانية ثلاثة: الأول عبارة عن الفتح القريب، وهو المشار اليه بقوله: «نصر من اللّه‏ وفتح قريب ». والثاني من الفتح المبين. ؤهو المشار اليه بقوله: «إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ». وأعلى الفتوح هو الفتح المطلق المشار اليه بقوله: «اذا جاء نصر اللّه‏ والفتح ». ونصر اللّه‏ العزيز لا يتحقق الا بوجود المهدي عليه‏السلام ، لان هذا الفتح وان ظهر بعض آثاره، لكن الظهور التام يحصل بوجود المهدي، ولذا قال ابن عربي أن النصر العزيز من مختصاته (عج).

والمقصود بالخاتم كما يقول الشيخ العارف عبد الرزاق القاساني: «هو الذي يقطع المقامات بأسرها ويبلغ نهاية الكمال. والبالغ الى نهاية الكمال واحد لا يقبل التعدد. وخاتم النبوة هو الذي ختم اللّه‏ به النبوة، ولا يكون الا واحداً وهو نبينا صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم . وكذلك خاتم الولاية على الاطلاق. وهو ايضاً لا يتعدد. وهو الذي يبلغ به صلاح الدينا والآخرة ونهاية الكمال، ويختل بموته النظام. وهو المهدي الموعود عليه‏السلام الخاتم لجميع مراتب الولاية ودرجات الالهية».(4)

ننتقل الآن من هذه المقدمة الى نتيجة اساسية تتفرع من اعتبار الولاية سراً وباطناً للنبوة، واعتبار خاتمية الولاية سراً وباطناً لخاتمية النبوة. هذه النتيجة هي: الاعتراف بان زمن المهدي (عج) وفترة امامته هي فترة بلوغ الانسان وفترة تطبيق الشريعة الكاملة الحقة، التي لم تتحقق في زمن الانبياء، مما يدفعنا نحو دراسة مراحل تطور واستكمال المجتمع البشري، ليتسنى لنا المجال بعد ذلك في الحديث عن سرّ غيبة المهدي عليه‏السلام ، ودور هذه الغيبة في مسار تكامل الانسان.

ان القرآن الكريم في قراءة الشهيد المطهري رحمهم‏الله «يؤكد على شخصية التاريخ وواقعيته، كما يؤكد على الاتجاه الارتقائي والتكاملي للمجتمع. والمعارك البشرية تتجه على مر التاريخ بالتدريج نحو اتخاذ صفة ايديولوجية، ويتجه الانسان بالتدريج نحو التكامل في قيمة الانسانية، اي يقترب من الانسان المتعالي ومن المجتمع المثالي. وستكون نهاية المسيرة الانسانية اقامة حكومة العدل وحكومة سيادة القيم الانسانية، او بالتعبير الاسلامي: «حكومة المهدي»(5).

ويلتقي الشهيد المطهري مع تويمبي في أن: «انحطاط الحضارات امر لا يمكن رفضه، لكن تاريخ البشرية يسير نحو مسيرة تكاملة».(6)

هذا الاعتراف بمبدأ الاتجاه الارتقائي والحركة التكاملية كاتجاه عام للمجتمع البشري في صناعة تاريخه، يتفق أيضاً مع تفسير الحكمة المتعالية الصدرائية لواقع الحركة في قوس الصعود. فالحركة في هذه المدرسة الفلسفية العرفانية تفسّر وتعرف بالخروج التدريجى للاشياء من القوة الى الفعل. وحيث ان نسبة القوة الى الفعل هي نسبة النقص الى الكمال، ويستحيل عقلياً الرجوع من النقص الى الكمال، بما فيها التطورات التي تحصل في المجتمع البشري على الصعيدين الفردي والاجتماعي، وخاصة مع ملاحظة ان النفس الانسانية جسمانية الحدوث وروحانية البقاء، فهي أيضاً تتبع نفس النظام. والأهم من هذا، ملاحظة الآيات القرآنية الجمة التي تؤكد على رجوع الأمور والأشياء كلها الى اللّه‏: «الى اللّه‏ ترجع الأمور» و«الى اللّه‏ المصير»، مما يرفض امكانية الحركة القهقرية والتراجع عن الاستكمال في الدنيا وحتى في الآخرة: «رب أرجعوني لعلي أعمل صالحاً مما تركت، كلا ».

ان الاقتناع بهذه الرؤية الكونية يترسخ في فكرة المهدوية التي قال عنها الشهيد المطهري أنّها: «تنطوي على نظرة تفاؤلية تجاه المسيرة العامة للنظام الطبيعي وتجاه مسيرة التاريخ، وتبعث الأمل بالمستقبل وتزيل كل النظريات التشاؤومية بالنسبة لما تنظره في آخر تطلعاتها... والقرآن الكريم يرفض بشدة النظرة العبثية الى التاريخ، ويشدد على وجود قواعد ثابتة دائمة لمسيرة الامم والجماعات، فيقول: «فهل ينظرون الى سنَّة الأولين فلن تجد لسنَّة اللّه‏ تبديلاً، ولن تجد لسنة اللّه‏ تحويلاً » فاطر: 43.(7)

من هذه الآراء العبثية، ما نقرأه من «رسل» في كتابه: «في الآفاق الجديدة»: «ثمة أفراد ـ منهم اينشتاين ـ يزعمون أنه من المحتمل جداً ان يكون الانسان قد طوى دورة حياته، وسيستطيع خلال السنوات القليلة القادمة ان يبيد نفسه بما يتمتع به من مهارة عملية فائقة».(8)

طبعاً لا نقصد بالحركة التكاملية التاريخية فكرة الحتمية التاريخية التي تبناها بعض التيارات الفلسفية المادية كالماركسية، والتي لا تدع أي مجال لمبدأ الحرية والاختيار للانسان. صحيح ان الانسان مسيّر لمستقبل سيكون افضل من الحاضر والماضي. لكن له الخيار ان يكون في داخله نفساً تستجمع جميع أسماء اللّه‏، من منطلق: «وعلم آدم الأسماء كلها » فيصبح خليفة «اللّه‏» في أرضه، وينال مقام العبودية التي كنهها الربوبية، وله الخيار في تفتيت هذا الاستجماع وتبني التفرق المذكور في الآية الشريفة: «أأرباب متفرقون خير أم اللّه‏ الواحد القهار ».

والآية الشريفة «أن تتولوا يستبدل قوماً غيركم »، وكذلك: «يريدون ليطفئوا نور اللّه‏ واللّه‏ متم نوره ولو كره الكافرون »، تدلان على اختيار الانسان في عين حتمية تحقق الارادة الالهية بشأن استكمال الانسان فرداً وجماعة.

ثم ان الاقناع بمبدأ الحركة التكاملية التاريخية في عين الاعتراف بحرية الانسان واختياره في تحديد مرتبته في هذه المجموعة اللامتناهية من كلمات اللّه‏ ومخلوقاته، يتلطب منا دراسة الفترات التاريخية التي مرت وتمر بالمجتمع البشري للترعف على حكمة غيبة المهدي(عج).

فتقول: ان تقسيم التاريخ الى مراحله وأطواره يتنوع بتنوع المعايير التي نختارها للتعريف بالانسان ومجتمعه. حيث يمكن اجراء التقسيم باعتماد مبدأ السياسة والارادة، فتنقسم المراحل في كل شعب بين الافراد والعوائل المالكة التي حكمت رقاب الناس، أو اعتماد مبدأ الاقصتاد، ويأتي الحديث عن الاشتراكية الأولى والرقية والاقطاعية والرأسمالية والشيوعية في التقسيم الماركسي، أو اعتماد مبدأ الثقافات والحضارات التي تذكرنا بالحضارات الصينية والمصرية واليونانية والروسية والفارسية والغربية.

لكن الثقافة الاسلامية والشيعية التى نفتخر بها ترسم لنا أدوار التاريخ بنحو مختلف تماماً، وتعتمد على مبدأ الشرايع السماوية التيترى أ، جوهر الارتقاء يكمن في العبادة كآلية للتقريب الى اللّه‏ أي الكمال المطلق.

نلاحظ هنا أن الدين يستخدم دائماً في القرآن بلفظه المفرد: «إن الدين عند اللّه‏ الإسلام فمن يتبع غير الاسلام ديناً فلن يقبل منه ». والاختلاف لا يتعرض لجوهر الدين الذي يبقى واحداً منذ اللحظة الأولى لتاريخ البشر ومجيء آدم كأول انسان وأول نبي، حتى نهاية التاريخ وانطواء الدنيا، بل يتعرض للشرايع التي تبرمج حياة الانسان في شؤونه وعلاقاته المتشابكة: «لكل جعلنا منهم شرعة ومنهاجاً »(9)، مما يعني أن الدين حقيقة واحدة، لكنها مشككة تتظاهر في الشرايع المختلفة التي ليست الا حلقات مرتبطة بعضها بالبعض أشد ارتباط. فالطفرة مستحيلة سواء في عالم التكوين أو نظام التشريع.

في هذه القراءة يمكننا تقسيم الأدوارالتاريخية الى دورتين رئيسيتين:

الدورة الاولى: فترة النبوة وارسال الرسل وانزال الكتب، وتبدأ بآدم عليه‏السلام وتنتهي بخاتم الأنبياء صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم .

في هذه المرحلة تأتي الشرايع الالهية واحدة بعد أخرى، وكل شريعة تنسخ ما سبقتها. وتلغي مفعولها وتقدم نموذجاً جديداً يواكب مع مستجدات الحضارة البشرية مع الاحتفاظ بجوهر الدين الواحد.

الدورة الثانية: هي دورة الولاية التي اعتبرناها باطن النبوة، وهي تبدأ بولاية الامام علي بن أبي طالب عليه‏السلام ، وتستمر الى آخر نشأة الدنيا. وبانتهائها تنطوي السموات والارض، ويتسعد الانسان للبدء بحياة الخليد.

الدورة الثانية ايضاً تنقسم الى فترة قصيرة جداً تتوزع بين ولاية الائمة الاحد عشر، وتليها مرحلة ولاية خاتم الانبياء، التي تنقسم بين الغيبة الصغرة والكبرى والثورة العالمية.

في قراءة سريعة عن ركائز هاتين الدورتين، أرى ان دورة النبوة تمتاز بصفتين أساسيتين: الاولى: حضور الانسان الكامل أي النبي بين حين وآخر بين الناس، ليقدم لهم أسوة حسنة تتجسد فيها القيم الالهية، وتتبلور هذه القيم في شخصية وأنماط علاقته بالناس وحياتهم الفردية والاجتماعية. والثانية: الإعجاز المقرون بالتحدى كآية بينة لاثبات مصداقية نبوءة النبي وعلاقته بمنبع القدرة المطلقة. هذه المعجزات عادة أمور تخرق النظام الاعدادي الحاكم على مسار المادة في الطبيعة، كناقة تظهر من تفجر جبل، والقاء عصاً تصبح ثعباناً مرعباً، والتحدث مع النمل والطير، وتسخير الرياح، وتسبيح الحصا في كف النبي، وشفاء الأكمه والأبرص، واحياء الموتى. وهي عادة تنسجم مع معطيات العقلية البشرية الآخذة بالتطور والارتقاء من نبي الى نبي آخر.

هذه الخطوات، تمهد لمرحلة هامة من بلوغ الفكر والعقل واكتساب أهلية لتلقّي معجزة خالدة لا تكون خرقاً لنظام الطبيعة والجسم، بل تكون خرقاً لحجب الفكر ومطبات العقل. وهي تتجلى في الكلام واللغة التي هي آية الفكر. هذا المنعطف، يطوي دورة النبوة التي تشبه دورة الطفولة وحياة ما قبل البلوغ، والتي يحتاج فيها البشر الى رعاية الهية محسوسة تتمثل بحضور النبي في الشارع وبين الناس وبيده معجزة تثبت لتلك العقلية علاقة النبي برب السماء.

هذا المجتمع في دورة الولاية يصل الى مستوى من البلوغ الفكري لا يحتاج فيه الى نبي مدجج بمعجزة طبيعية تثبت صدقه. لكنه في دورة انتقالية ولو قصيرة يحتاج الى حضور انسان كامل كالنبي وهو امام معصوم يقدم نموذجاً عملياً لامكانية تحقيق المثل والقيم على صعيد الواقع.

هذه الفترة القصيرة تمتاز بحضور الانسان الكامل في الشارع وبين الناس، لكن عنصر الاعجاز المقرون بالتحدي يغيب عن الساحة ليصبح التعقل والتدبر بديلاً عنه. طبعاً لا نقصد بالبلوغ الفكري والتعقل ان الانسان يستغني عن الوحي والاعجاز. كلاّ. بل المقصود أن القرآن باعتباره المعجزة الخالدة الأخيرة يؤكد على اعجازه لا عبر اختراق في نظام الطبيعة، بل عبر مناشدة العقول ومخاطبة الأفكار بالدعوة الى التعقل والتدبر في آياته المعجزة التي رغم ثباتها بالفاظها واستحالة اي تغير في كلمة واحدة منها، لكنها تواكب كل المتغيرات والمستجدات التي ستطرؤ على الآفاق والأنفس بل تنبؤ بها قبل حدوثها.

صحيح أن بعض الكرامات تظهر بأيدي الأئمة عليهم‏السلام بعد غياب عنصر الاعجاز المقرون بالتحدي، لكنها هي أيضاً شيئاً فشيئاً من امام سابق الى امام لاحق.

اللافت للنظر أن العنصر الأول أي حضور الامام المعصوم الذي يفسر القرآن بقوله وفعله وتقريره، هو أيضاً يتقلص تدريجياً في الائمة الستة الأواخر. فبعدما يعمل الامام الصادق على بلورة صياغة شبه كاملة للمذهب الشيعي في فقهه واصوله وكلامه وتفسيره في مدرسته العلمية الرائعة، نواجه ابتعاد الامام الكاظم عليه‏السلام عن الجمهور في فترة السجن، واقصاء الامام الرضا عليه‏السلام عن وطنه والرقابة المشددة عليه رغم تعينه لولاية العهد في طوس، وخفة حضور الامام الجواد عليه‏السلام الذي دام عمره خمساً وعشرين سنة والذى يعقبه الامام علي والامام الحسن العسكريين الذين أمضيا معظم عمرهما الشريف في معسكر الخلافة العباسية.

هذا الغياب التدريجي لائمتنا الاطهار عليهم‏السلام ، يأتي حسب رأيي في سياق التمهيد للغيبة الصغرى والغيبة الكبرى للحجة الثاني عشر. أفضّل هنا، وقبل تقديم قراءتي عن سر الغيبة وحكمتها، أن نلقي نظرة عابرة على ترتب الغيبتين الصغرى والكبرى:

الحكمة الأساسية من ايجاد الغيبة الصغرى كما يقول الشهيد السيد محمد الصدر: «هو التمهيد الذهني لوجود الغيبة الكبرى في الناس. اذ لو بدأ المهدي عليه‏السلام بالغيبة المطلقة فجأة وبدون انذار وارهاص لما أمكن اثبات وجوده في التاريخ، فتنقطع حجة اللّه‏ على عباده».(10)

ويلتقي معه الشهيد محمد باقر الصدر بقوله: «ان القواعد الشعبية للامامة الشيعية كانت على الاتصال بالامام في كل عصر، والتفاعل معه والرجوع اليه في حل المشاكل المتنوعة. فاذا غاب الامام عن شيعته فجأة، وشعروا بالانقطاع عن قيادتهم الروحية والفكرية سببت هذه الغيبة المفاجأة الاحساس بفراغ دفعي هائل، قد يعصف بالكيان كله ويشتت شمله. فكان لا بد من تمهيد لهذه الغيبة، لكي تألفها هذه القواعد بالتدريج، وتكيّف نفسها شيئاً فشيئاً على أساسها».(11)

وكما كانت الغيبة الصغرى تمهيداً لتكيف الناس مع ظروف الغيبة الكبرى، فكذلك سلسلة الاحداث التي تتعاقب في الغيبة الكبرى ليست الا حلقات توطئ الأمور لظهور خاتم الأولياء.

من هذه الاحداث: «النهضة الخمينية التي برهنت عملياً على امكانية اقامة الدولة الاسلامية العادلة في العصر الحاضر، المواكبة لتطوراته والمستجيبة لمتطلباته. ومجرد قيادة مثل هذه النهضة يمثل تمهيداً للثورة المهدوية، حيث يتضمن التعريف المصلح الكبير على الصعيد الاسلامي والعالمى. والى هذا الأثر تشير الاحاديث الشريفة عندما تقول بعد حديثها عن حركة الموطئة: «فعند ذلك يتمنى الناس المهدي ويطلبونه». قال رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم : «يخرج ناس من المشرق فيوطئون للمهدي سلطانه».(12)

نلاحظ كيف أن التخطيط الإلهي يرتب حلقات تاريخ المجتمع البشري ويمهد للحلقات اللاحقة عبر الحلقات السابقة. كأنّ هذه الدورات الزمنية المترتبة تشبه الترتب المكاني في الكواكب والمجرات، حيث لا حلقة مفقودة فيها، وتشبه «سبع سماوات طباقاً ماترى في خلق اللّه‏ من تفاوت فارجع البصر هل‏ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب اليك البصر خاسئاً وهو حسير ».

وفي نظرة عابرة وكما يقول السيد محمد الصدر: «نستطيع أن نلاحظ كيف أن خط الأنبياء الطويل والاعدا الكبيرة منهم انما كان باعتبار التقديم والتمهيد للغرض الكبير، باعتبار أن البشرية حين أول وجودها كانت قاصرة عن فهم تفاصيل العدل الكامل. فلم يكن في الامكان ايجاد المجتمع العادل الكامل الموعود في ربوعها لأول وهلة، بل كان لابد ان تسير البشرية تدريجياً الى ان تصل الى المستوى اللائق الذي يؤهلها لفهم العدل الكامل الذي يريد اللّه‏ تطبيقه في اليوم الموعود».(13) وهو يرى أن الغرض الالهي لدورة النبوة تمهيد الناس عبر الأنبياء، والغرض من دورة الولاية تمهيد الناس عبر الائمة الاولياء لتطبيق العدل الكامل في اليوم الموعود بواسطة خاتم الأولياء.

الاعتراف بسرد الأحداث التاريخية حسب التخطيط الالهي لاستكمال الانسان، يتطلب منا دراسة غيبة الامام المنتظر، وتحديد مكانة هذه الفترة في حلقات الاستكمال.

أول ما يخطر بالبال في هذا المجا لهو أن محدودية عدد الائمة الاطهار باثنى عشر اماماً حسب نصوصنا المتواترة تتطلب قبول استمرار ولاية المهدي (عج) منذ تسلمه ابعد استشهاد أبيه حتى تحقيق ثورته. وافتراض أن يموت ثم يحييه اللّه‏ تعالى يتنافى مع ضرورة استكماله التدريجي المواكب لتطورات المجتمع الانساني في تكامل ما بعد العصمة. هذا التكامل التدريجي حقيقة عامة تشمل الأولياء والأنبياء بما فيهم نبي الاسلام المكرم صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم الذي «دنى فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى».

«إن ما يمر به القائد من مصاعب ومحن في فترة الغيبة يوجب تصاعد كماله... وما يقوم به من أعمال فانه يتكامل بذلك ويزداد في افق وجوده العظيم ترسخاً وعمقاً. وعقد المرحوم الكليني باباً بعنوان: «ان الائمة يزدادون في ليلة جمعة». وقال اللّه‏ تعالى: «وقل ربّ زدني علماً »(14).

تكامل الامام المهدي هذا، يترافق مع تكامل البشر طوال الغيبة. وتعمق الفكر الاسلامي بواسطة العلماء والمفكرين «يجعل الأذهان مستعدة اكثر فأكثر لتقبل وفهم الاحكام التفصيلية التي يعلنها المهدي عليه‏السلام في دولته العالمية الموعودة... وليست الدقة في الفكر الاسلامي فقط هي التي تشارك في تعميق المستوى الثقافي اللازم تحققه في اليوم الموعود، بل يشارك في ذلك سائر القطاعات والشعوب في العالم بما تبذل من دقة وعمق ي سائر العلوم، مضافاً الى ان التقدم العلمي في سائر حقوق المعرفة البشرية سوف يشارك مشاركة فعالة في بناء الغد المنشود»(15).

نعم، هذه القراءة التي تنظر الى فترة غياب المهدي كحلقة من حلقات التطور والاستكمال، قد تصطدم بجمّ غفير من الاحاديث التي ترسم معالم هذه الفترة في اطار مفعم بالسيئات والشرور، كالروايات التي تشير الى ظهور المهدي الذي (به يملأ الارض قساً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً ). أو تلك التيترى علامات قيام القائم فيما: (اذا تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال، وركبت ذات الفروج السروج وأمات الناس الصلوات واتبعوا الشهوات واستخفوا بالدماء وتعاملوا بالربا وتظاهروا بالزنا واستحلوا الكذب واخذوا الرشا واتبعوا الهدى وباعوا الدين بالدنيا وقطعوا الارحام وضنوا بالطعام...»(16)، وما الى ذلك مما قد يثير الشك في اصرارنا على اعتبار فترة الغيبة حلقة من مراحل تكامل المجتمع البشري، ويعتبر هذا الزمن زمن سقوط القيم وتراجع البشرية عن خط الاستكمال الذي سلكته في زمن الأنبياء، ويفسر عصر الغيبة بفترة الفراغ وزمن الاستثناء، بالفعل هذا ما يراه الكثيرون منا. وبتعبير أحد الكتاب:

«الحضور التاريخي للشيعة كان يتقلب على ضفاف دولة الخلافة السنية، ويتكون خارج اروقتها ودوائرها، حيث غلب على الموقف السياسي للشيعة الانكفاء عن موضوع السلطة والحكم، وتعزز في الوعي رؤية متعالية حول الدولة والحكم ذات طبيعة نموذجية ومثالية. فالدولة الحقة هي التي ستحقق آخر الزمان بظهور الامام المهدي. أما زمن غيبة الامام فهو فترة فراغ سياسي وزمن الاستثناء والخروج على الأصل. وكان أقصى ما ابتكره الاجتهاد الشيعي فى المجال التنظيمي هو التأسيس لمرجعية الفقيه كمرجعية اجرائية للجماعة الشيعية تحفظ وجودهم وتمنع اختراقهم. الا أن هذه المرجعية تبلورت في سياق مل‏ء الفراغات واستيعاب الظرف الطارئ للغيبة. فالأصالة للامام ولزمانه والمؤقت للفقيه الذي سيصبح نائبه في تصريف الأعمال من دون اية صلاحية بملامسة كليات الواقع. فلا سلطة سياسية مشروعة في زمن الغيبة، ولا قيادة سياسية الا للامام المعصوم، اذ كل راية قبل الظهور وهي راية ضلال».(17) هذه فكرة تعود عليها الكثيرون.

الا أن هناك أكثر من برهان عقلي ونص شرعي يزيل النظرة التشاؤمية الى فترة الغيبة ويفيد أنها حلقة من مراحل الاستكمال التدريجي للامام والبلوغ التدريجي للبشر. ان اعتبار فترة الغيبة فراغاً سياسياً وخروجاً على الاصل يساوى اعتبار نهضة المنجى على حد تعبير الشهيد المطهري: «ذات طابع انفجاري محض، ناتجة عن انتشار الظلم والفساد والطغيان، أي أن مسألة الظهور نوع من الاصلاح الناتج عن تصاعد الفساد».(18)

وهذا باطل عقلاً، لاستحالة الطفرة اولاً، ولاستحالة التراجع من الكمال الى النقص في اية حركة للانسان الذي هو العالم الصغير وللعالم الذي هو الانسان الكبير ثانياً.

وباطل نقلاً بصريح الآيات القرآنية التي تحيل كل الحركات والتطورات الى اللّه‏ الذي اليه المصير واليه ترجع الأمور، وبصريح الروايات الموثوقة التي لاترى بداً من تحقق فترة الغيبة لتكوين النضج العقلاني والأخلاقي بالابتلاء والامتحان، ومنها ما رواه الشيخ الصدوق رضى‏الله‏عنه عن الامام الصادق عليه‏السلام : «ان ظهور المهدي لا يتحقق حتى يشقى من شقى ويسعد من سعد».(19) فالحديث عن الظهور يدور حول بلوغ كل شقي وكل سعيد مداه في العمل، ولا يدور حول بلوغ الأشقياء فقط منتهى درجتهم في الشقاوة.

يقول اللّه‏ تعالى: «ليقضي اللّه‏ أمراً كان مفعولاً ليهلك من هلك عن بينة ويحيي من حيّ عن بينة ».(20) والآية صريحة في ضرورة اجراء قانون التمحيص والاختبار. و«المجتمع الموعود لا يمكن ان يحدث ما لم تسبقه فترة من التمحيص».(21) كما ان الفرد «قبل حصول ظروف الجهاد وقبل تشريعه يكون ناقص التكوين حقيقة، لا مجاهداً ولا صابراً، وتكون حالته النفسية واتجاهاته مجملة».(22) ومن ثم قال اللّه‏ تعالى: «أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم اللّه‏ المجاهدين منكم ويعلم الصابرين ».

من هنا يتبين أن ازدياد الفتن والمزلات بشكل تصاعدي في زمن الغيبة، وان كان ظاهرها امراً سلبياً تشاؤومياً للغاية، لكنها تحمل في طياتها أمراً ايجابياً للغاية، وهو ان كثرة الابتلاءات بحد ذاتها تدل على ظهور نفوس مترسخة في الايمان استطاعت ان تتجاوز العقبات الصغيرة وحان لها ان تضغط بمزيد من العراقيل وتبتلى بمزيد من المطبات، ولابد للصراط ان يصبح أحد من السيف وأدق من الشعر، لان افضل الاعمال أهمزها. ولابد ان يكون حفظ الايمان أصعب من حفظ نار... «ليميز اللّه‏ الخبيث من الطيب»، والا يكفي هذا لاثبات وجود الطيب الى جانب الخبيث حسب الآية، ووجود السعيد الى جانب الشقي حسب الرواية؟

دعونا نتجاوز الظاهر ونتسلل في العمق، ونرى وراء الظاهر المفعم بالفتنة والفساد في فترة الغيبة باطناً رائعاً يتمثل في نفوس «لا تضرها الفتنة شيئاً لانهم يمثلون الحق صرفاً، وينتمون الى قسطاط الحق الذي لا كفر فيه كما ورد في الأخبار».(23)

هذا وان التفاؤل بتكامل البشر على المستوى العلمي لا يقل عن التشاؤم من الابتذال الاخلاقي، واذا كان العلم بدون التهذيب لا قيمة له، فالعكس ايضاً صحيح. وربما يعود الى هذا التوازن، السر في تقديم التزكية على التعليم في الآية 2 من سورة الجمعة: «ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة » وتقديم التعليم على التزكية في الآية 129 من سورة البقرة: «ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ».

ان هذه القراءة تدعي أن اعتبار فترة الغيبة زمن الفراغ والاستثناء والخروج على الاصل له مردوده السلبي في ابعاد الشيعة عن التفاعل الايجابي طوال دورة قد تطول أكثر من فترة تواجد الانبياء وفترة حكومة المهدي نفسه والتي لا تدوم كثيراً.

وتفيد القراءة بعد تبني هذه النظرة التفاؤلية ان السر في غيبة الامام المهدي لا ينحصر في الحفاظ على نفس الامام وكثرة العدو كما ذهب اليه معظم متكلمي الشيعة. وعبارة العلامة الحلي في الباب الحادي عشر التي يقول فيها: «وأما سبب خفائه عليه السلام فاما لمصلحة استأثره بعلمها أو كثرة العدو وقلة الناصر»(24) تفتح المجال لأكثر من قراءة في علل غيبة المهدي وحكمتها.

انطلاقاً من الرؤية المتفائلة القائلة بان فترة الغيبة مرحلة طويلة من تاريخ البشر، وحلقة أساسية من حلقات الاستكمال التدريجي للانسان، نرى ان فترة الغيبة الكبرى هي جزء من ولاية المهدي التي تتراوح بين الغياب والظهور، ونستمد من توحد الظهور بالبطون في الأسماء الالهية الشريفة، لنقول ان غياب المهدي عليه‏السلام قد يكون بحد ذاته حضوراً لحقيقته من خلال تحريك العقل والاجتهاد في تعاطي الأمة التي غاب عنها وليها، وناب عنه علماء وفقهاء وضعت على عاتقهم ادارة شؤون الناس وشجونهم بتوظيف العقل في استنباط المتغيرات من ثوابت العقل والشرع.

ولدينا في الادعاء بأن غياب المهدي هو بعينه حضوره من خلال تحريك العقل وتوكيله حجة ناصعة نعرضها لكم في هذا البحث، وهي أن خاتمية الولاية بالمهدي هي سرّ لخاتمية النبوة بمحمد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم . والحقيقة المحمدية هي العقل كله. والذي قال: «أول ما خلق اللّه‏ نوري»، قال أيضاً «أول ما خلق اللّه‏ العقل».

ان غياب المهدي بجسده، الذي يفتح المجال لحضوره بحقيقته ونوره الذي هو العقل، يهيئ الأرضية في نضج المجتمع البشري الذي يجب ان يتأهل لان يقوم هو بالقسط: «ليقوم الناس بالقسط». وسيف المهدي لا يشهر على الناس بل على الطغاة الذين يأسرون عقول الناس وقلوبهم وأرواحهم وأبدانهم.

مصادر البحث :


1ـ الحلي، العلامة ـ الباب الحادي عشر ـ دار الأضواء.
2ـ الصدر، السيد محمد ـ تاريخ الغيبة الكبرى ـ دار التعارف للمطبوعات.
3ـ الصدر، محمد باقر ـ بحث حول المهدي ـ دار التعارف للمطبوعات.
4ـ قانصو، وجيه ـ السفير ـ عنوان المقالة: ايران بين دولة الولاية وولاية الدولة.
5ـ القيصري ـ شرح فصوص الحكم للقيصري ـ مكتبة النور.
6ـ كوربان، هانري ـ الشيعة الاثنى عشرية ـ ترجمة د. ذوقان قرقوط ـ مكتبة مدبولي ـ القاهرة.
7ـ محمود، عرفان ـ النهضة الخمينية والمتهيد لظهور المهدي ـ مجلة الحياة الطيبة ـ العدد التجريبي ـ رمضان 1418.
8ـ المطهري مرتضى ـ نهضة المهدي في ضوء فلسفة التاريخ ـ دار التيار الجديد.

الهوامش :


1. الشهيد مرتضى المطهري ـ نهضة المهدي... 43.
2. هانرى كوربان ـ الشيعة الاثنى عشرية ـ ترجمة د. ذوقان قرقوط ـ مكتبة مدبولي ـ القاهرة ص 287.
3. القيصري ـ شرح فصوص الحكم ـ ص 850.
4. المصدر السابق، 151.
5. الشهيد مرتضى المطهري ـ نهضة المهدي في ضوء فلسفة التاريخ ـ 11 ـ 21.
6. المصدر السابق ـ 34.
7. المصدر السابق ـ 6 ـ 10.
8. المصدر السابق ـ 41.
9. المائدة: 48.
10. السيد محمد الصدر ـ تاريخ الغيبة الكبرى ـ دار التعارف 2،32.
11. الشهيد محمد باقر الصدر ـ بحث حول المهدي ـ دار التعارف للمطبوعات.
12. عرفان محمود ـ النهضة الخمينية والتمهيد لظهور المهدي ـ مجلة الحياة الطيبة ـ العدد التجريبي ـ رمضان 1418.
13. السيد محمد الصدر ـ تاريخ الغيبة الكبرى ـ 207.
14. السيد محمد الصدر ـ تاريخ الغيبة الكبرى ـ 423.
15. المصدر السابق ـ 238.
16. المصدر السابق ـ 266.
17. د. وجيه قانصور السفير ـ عنوان المقالة: إيران بين الدولة وولاية الدولة.
18. الشهيد مرتضى المطهري ـ نهضة المهدي... 43.
19. السيد محمد الصدر ـ تاريخ الغيبة الكبرى ـ 230.
20. الأنفال، 8،42.
21. السيد محمد الصدر ـ تاريخ الغيبة الكبرى ـ 231.
22. المصدر السابق ـ 264.
23. السيد محمد الصدر ـ تاريخ الغيبة الكبرى ـ 261.
24. العلامة الحلي ـ الباب الحادي عشر ـ دار الأضواء ـ ص 118.